وقال في موضع آخر: { قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا } الأنعام: الآية 145 . فحرم المسفوح من الدم، وقد روت عائشة - رضي الله عنها - قالت:"كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره" [1] . لأن التحفظ من هذا إصر وفيه مشقة، والإصر والمشقة في الدين موضوع، وهذا أصل في الشرع، أن كلما حرجت الأمة في أداء العبادة فيه وثقل عليها سقطت العبادة عنها فيه، ألا ترى أن المضطر يأكل الميتة، وأن المريض يفطر ويتيمم في نحو ذلك" [2] ."
ومن الأمثلة كذلك: عند قوله تعالى: { وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ } البقرة: الآية 85 .
قال:"تضمنت الآية ، وجوب فك الأسرى، وبذلك وردت الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فك الأسارى وأمر بفكهم، وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع" [3] .
2-أنه أحيانًا يقدم الدليل من السنة على القرآن، وذلك إذا كان الدليل من السنة صريح، وأما القرآن فبالمفهوم فيقدم المنطوق على المفهوم في الاستدلال، فمثلًا:
عند قوله تعالى: { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً } النساء: الآية 24.
قال:"لا يجوز أن تحمل الآية على جواز المتعة ،لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة وحرمه ، ولأن الله تعالى قال: { فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } النساء: الآية 25 ."
ومعلوم أن النكاح بإذن الأهلين هو النكاح الشرعي بولي وشاهدين، ونكاح المتعة ليس كذلك" [4] ."
(1) سيأتي تخريج الحديث عند دراسة هذه المسألة .
(2) انظر: الجامع لأحكام القرآن ( 2/217) .
(3) انظر: المصدر السابق ( 2/26) .
(4) انظر: الجامع لأحكام القرآن ( 5/125) .