الثالث: وعلى فرض عدم التسليم لأحد هذين الاحتمالين، فإن تفسير الصحابي لا يكون حجة يجب قبولها؛ إلا إذا لم يعارضه صحابي آخر. أما إذا عرف أنه خالفه صحابي آخر فليس بحجة بالاتفاق، وينظر حينذاك إلى القول الذي ترجحه الأدلة فيؤخذ به. وابن عباس خالف ابن مسعود - رضي الله عنهم - في تفسير قوله: { إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } فوجب طلب الترجيح، والعمل بما كان راجحًا [1] .
وبما رواه أبو داود [2] عن عائشة - رضي الله عنها - أن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال:"يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصح أن ير منها إلا هذا وهذا"، وأشار إلى وجهه وكفيه.
ويجاب عن هذا الحديث بالآتي:
أولًا: بأنه حديث ضعيف فهو معلول من عدة أوجه ذكرها أهل العلم [3] .
(1) انظر: مجموع الفتاوى (1/284) ، وإعلام الموقعين (5/546) ، ورسالة الحجاب لابن عثيمين (ص28) .
(2) في سننه، كتاب اللباس، باب فيما تبدي المرأة من زينتها، حـ 4104. موسوعة الحديث الشريف (ص1522) وسيأتي الكلام في إسناده.
(3) في هذا الحديث عدة علل:
الأولى: أن فيه عنعنة الوليد بن مسلم، وهو يدلس شر أنواع التدليس، وهو: تدليس التسوية، وهو أن يسقط من الإسناد راو ضعيف بين ثقتين لقي أحدهما الآخر فيسوي الإسناد كله ثقات. انظر: مصطلح الحديث للطحان (ص81) ، وانظر: تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس لابن حجر (ص134) .
الثانية: أن فيه سعيد بن بشير والأغلب والأعم على تضعيفه، وقد تفرد بهذه الطريق عن قتادة، ولا يحتمل تفرده كما صرح بذلك العلماء. انظر: تهذيب الكمال (3/139) ، وفتح الغفور بتضعيف حديث السفور لخالد العنبري (ص10) .
الثالثة: عنعنة قتادة، وهو معروف بالتدليس، قال شعبة:"كان قتادة إذا جاء ما سمع قال: (حدثنا) ، وإذا جاء ما لم يسمع قال: (قال) ، وهو حجة بالإجماع إذا بين السماع، فإنه مدلس معروف بذلك. انظر: سير أعلام النبلاء (7/304) ، وتعريف أهل التقديس لابن حجر (ص102) ، وفتح الغفور لخالد العنبري (ص12) ."
الرابعة: الانقطاع بين خالد بن دريك وعائشة - رضي الله عنها -، قال أبو داود بعد ذكره لحديث أسماء:"هذا مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة - رضي الله عنها -"، انظر: سنن أبي داود، كتاب اللباس، باب فيما تبدي المرأة من زينتها، موسوعة الحديث الشريف (ص1522) ، وللحديث طرق أخرى كلها معلولة. انظر: فتح الغفور لخالد العنبري، وضعفه الشنقيطي في أضواء البيان (6/392) ، وابن باز في كتابه حكم السفور والحجاب (ص16-17) ، وابن عثيمين في رسالة الحجاب (ص27) .