وقد رد بن حجر - رحمه الله - هذا الاستدلال من أبي سلمة، فقال:"حمل الآية على الأول- أي القول الأول - أظهر، وما احتج به أبو سلمة لا حجة فيه، ولا سيما مع ثبوت حديث الباب [1] ، فعلى تقدير تسليم أنه لم يكن في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رباط فلا يمنع ذلك من الأمر به، والترغيب فيه، ويحتمل أن يكون المراد كلًا من الأمرين، أو ما هو أعم من ذلك" [2] .
القول الراجح:
الذي يظهر - والله أعلم -، أن كلا المعنيين صحيح، وهذا اختيار القرطبي، والخليل بن أحمد [3] ، وجعله ابن حجر وجهًا محتملًا [4] .
قال القرطبي:"المرابطة عند العرب: العقد على الشيء حتى لا ينحل، فيعود إلى ما كان صبر عنه، فيحبس القلب على النية الحسنة، والجسم على فعل الطاعة، من أعظمها وأهمها ارتباط الخيل في سبيل الله، كما نص عليه في التنزيل في قوله: (ومن رباط الخيل) الأنفال: 60 ... وارتباط النفس على الصلوات، كما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - [5] " [6] . والله أعلم.
المسألة الثانية:
حكم الرباط بالأهل والولد:
(1) يريد بحديث الباب: ما رواه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب فضل رباط يوم في سبيل الله، عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها.."، حـ 2892. موسوعة الحديث الشريف (ص 232) .
(2) فتح الباري (6/105) .
(3) انظر: العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (7/423) مادة: (ربط) . والخليل بن أحمد هو: ابن عمرو بن تميم الفراهيدي، أبو عبد الرحمن، أحمد أئمة اللغة الأعلام، كان إمامًا في علم النحو، وهو الذي استنبط علم العروض وأخرجه إلى الوجود، وكان آية في الذكاء، مات سنة 170هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (7/429) ، ووفيات الأعيان لابن خلكان (2/244) ، وبغية الوعاة للسيوطي (1/557) .
(4) سبق عرض قوله.
(5) سبق تخريجه.
(5) الجامع لأحكام القرآن (4/315) .