، وأَحكام القرآن تعم كل من بلغه ، ولا يؤخذ بها من لم تبلغه إِن كان على دين نبى ، والآية دليل على أَن أَحكامه تعم من يأْتى إِلى يوم القيامة ، فقالت الحنابلة ذلك بطريق العبارة في الكل ، وقالت الحنفية بالإِجماع في غير الموجودين حال النزول ، وروى أبى بن كعب أَنه أَتى A بأَسارى فقال: هل دعيتم إِلى الإِسلام ، فقالوا: لا ، فخلى سبيلهم ، وقال النحام بن زيد قردم بن كعب وبحرى بن عمروك يا محمد ما نعلم مع الله إِلهًا غيره ، فقال A: « لا إِله إِلا الله ، بذلك بعثت ، وإِلى ذلك أَدعو » ، فنزل قوله تعالى { أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى } إِنكارًا لصحة الشهادة وتصريح ببطلانها ، وذلك تقريع لهم واستبعاد وتوبيخ وإِلجاء إِلى الإِقرار بأَنهم أَشركوا ولا يجدون إِنكارا لإِشراك { قُلْ لاَ أَشْهَدُ } بأَن مع الله آلهة أُخر ، ولا إِلهين معه ، ولا إِله معه ، أَى لا أَشهد بالشركة ، فإِن المعبود لا يتعدد وإِنما ذكر الله سبحانه وتعالى تعدد الآلهة لأَنه معتقدهم { قُلْ إِنَّمَا هُوَ } أَى الله { إِلهٌ وَاحِدٌ } لا إِله معه ، وإِنما للحصر وما كافة ، ويجوز أَن تكون موصولة أَو موصوفة بجملة هو إِله ، فيكون خبر إِن هوقوله واحد ، أَى إِن الشئ الذى هو إِله هو واحد لا متعدد ، أَو إِن شيئا هو إِله هو واحد لا متعدد ، ومع ضعف الوجهين ورجحان كون ما للحصر كما هو المتعين في قوله تعالى { إِنما الله إِله واحد } قد يكونان أَليق بما قبل لأَن فيهما مساق الحجة والبرهان ، أَى لا أَشهد لأَن ما استحق الأُلوهية لا يقبل التعدد { وَإِنَّنِى بَرِئٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } أَى من إِشراككم ، أَ من أُلوهة ما تشركونه من الأَصنام ، ويستحب لمن أَسلم أَولا أَو كرر الشهادة أَو يقول عقب ذلك وإِننى برئٌ من الإِشراك ومن كل دين سوى دين الإِسلام ، ولما أَنكر اليهود والنصارى أَن يكون لرسول الله A ذكر أَو صفة في التوراة والإِنجيل ولا غيرهما بالنبوءَة وأَنكروه نزل قوله تعالى:
{ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ } أَى يعرفون رسول الله A في التوراة والإِنجيل بأَسمائه وصفاته { كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } أَنهم أَبناؤُهم بمعاينة الولادة أَو المعاشرة أَو الشبه بهم ، ولما قدم رسول الله A المدينة قال عمر رضى الله عنه لعبد الله بن سلام رضى الله عنه: أَنزل الله هذه الآية فما هذه المعرفة؟ فقال يا عمر لقد عرفته فيكم حيث رأَيته كما أَعرف ابنى ، ولأَنا أَشد معرفة بمحمد صلى الله عليه ولم منى بابنى ، لأَنى لا أَدرى ما صنعت النساء ، ويروى: ما أَحدثت أمه ، ويروى: ما فعلت اليهودية ، وأَشهد أَنه حق أرسل من الله تعالى ، ويجوز عود هاء يعرفونه للقرآن لتقدم ذكره ، وعودها للتوحيد العلوم من قبل ، فيكون فيه تعريض بشرك أَهل الكتاب بإِنكار نبوءَة رسول الله A ، وإِنكار القرآن كما أَشركت النصارى بالمسيح وأُمه ، واليهود بعزير ، وغير ذلك ، وعودها إِلى كتابهم ، أَو إِلى ذلك كله بتأْويل ما ذكر ، والمتبادر ما مر أَولا ، ولا سيما أَن تشبيه الإِنسان بالإِنسان أَولى من تشبيه غير الإِنسان بالإِنسان { الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } من أَهل الكتاب وغيرهم مبتدأ خبره قوله { فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } زيد فيه الفاء لشبه الذين باسم الشرط أَو نعت للذين آتيناهم الكتاب ، أَو يقدر هم الذين ، أَو أَذم الذين ، وعلى الثلاثة الآخرة الفاء عاطفة على الجملة الاسمية قبل ، ولا سببية في الفاء ، وهو قليل ، وإِن عطفنا على خسر فوجه السببية أَن خسروا بمعنى ضيعوا النظر بعقولهم ، أَو قضى عيهم بتضييع ما لهم في الجنة ، فانتفى إِيمانهم ، وهذا الوجه هو وجه السببية فيما إِذا جعلنا الجملة خبرا للذين .