{ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ } أى فرض ، وأصله خط ، ولما كان الخط لإنفاذ ما خط كان بمعنى فرض مجازًا ثم صار حقيقة عرفية في معنى الإلزام ، وتقرى ذلك بعلى في قوله { عَلَيْكُمُ } أيها المؤمنون والقاتلون وولاة الأمر ، فالخطاب بالكاف للذين آمنوا والقاتلين وولاة الأمر كقوله تعالى: « يأيها النبى إذا طلقتم النساء » فالخطاب للنبى وسائر المطلقين ، يقال لرئيس القوم يا فلان إذا جئتم أكرمتكم { الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى } المماثلة فيهم أى في قتل القتلى ، أى في شأنه أو بسببه ، ومنه المقص لتساوى أطرافه ، والقصة لأنها تساوى المحكى ، والقاص لأنه يذكر بلا تغيير ، وإلا عد محرفا ، وذلك بأن يقتل القاتل فقط ، كما قتل القاتل إنسانًا فقط ويقتل العبد إذا قتل عبدًا كما قتل العبد ، ولا يقتل به الحر وهكذا ، ومعنى كتب عليكم القصاص أنه حق واجب على القاتل لمن له لدم ، ووجوبه لا ينافى أنه يجوز العفو مطلقًا والعفو عن القتل مع أخذ الدية ، كما تقول يجب على المدين أن يقضى الغريم ، فإنه لو ترك الغريم الدين جاز ، فلا عطاء على المدين . نزلت الآية في الأوس والخزرج ، كان لأحدهما ، ولعلهم الأوس ، على الآخرين قرة وشرف ، وكانوا ينكحون نساءهم بلا مهر ، وأقسموا لنقتلن الحر منهم بالعبد منا ، وبالمرأة منا الرجل منهم ، بلا ؤد لنصف دية الرسل ، وبالرجل الرجلين ، وجعلوا جراحاتهم ضعف جراحات أولئك ، فرفعوا أمرهم إلى النبى صلى الله عليه وسم فأمرهم الله بالمساواة ، فرضوا وسلموا ، ويقال ذلك بين قريظة والنضير من اليهود ، ويقولون لنبى قريظة: إذ قتلتم عبدًا قتلنا منكم حرًا ، وإذا قتلتم منا حرًّا قتلنا منكم حرين ، ونقتل رجلكم بأنثانا ، قيل ويرده قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } وهؤلاء كفرة ، ويجاب بأنه وقع ذلك بين الأوس والخزرج ، ووقع أيضًا بين قريظة والنضير ، كما مر ، أنهم تحالفوا ، إحداهما مع الأوس ، والأخرى مع الخزرج ، فغلب المؤمنون وهم الأوس والخزرج ، وبأن المؤمنين هم الحكام على قاتل من اليهود ومن المسلمين { الْحُرُّ بِالْحُرِّ } يقتل الحر الواحد بالحر ، لا بالعبد ، ولا حران بحر واحد ، أو الحر يقتل بالحر وكذا ما بعده { وَالْعَبْدُ } الواد لا اثنان ولا الحر { بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى } لا الأنثيان ولا الذكر بلا رد لنصف دية الذكر { بِالأُنْثَى } والخنثى بالخنثى ، لا الذكر به بلا رد زائد ، ولا الخنثى بالمرأة بلا رد ، وقيل بينت السنة أن الذكر يقتل بالأنثى بلا رد ، وأنه تعتبر المماثلة في الدين ، وأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ، فلا يقتل مسلم ولو عبدًا بكافر ولو حرًّا ، ويقتل كافر بمسلم ، وعن على: مضت السنة أن لا يقتل مسلم بذى عهد ، ولا حر بعبد ، والمشرك غير ذى العهد أولى بأن لا يقتل به مؤمن ، وكان أبو بكر وعرم كلما قتل عبدًا لا يقتلانه به ، سواء أكان له أم لغيره ، وعما عمدة بين الصحابة ولم يخالفهما أحد ، وقتل رجل عبده فجلده رسول الله A ونفاه سنة ، ولم يصح عن مالك والشافعى أنه لا يقتل الذكر بالأنثى ، وقيل عن أبى حنيفة أنه يقتل الحر في العبد المؤمن ، لقوله A المسلمون تتكافأ دماؤهم ، ورد بأنه استثنى منه العبد ، إذ قال لا يقتل حر بعبد ، وعن مالك والحنفية أنه ليس للولى إلا القتل ، إلا إن رضى القاتل بالدية ، ويرده تخييره A الولى بين القتل والدية وتركهما { فَمَنْ عُفِىَ } سومح { لَهُ } فالقاتل الذى ترك له { مِنْ أَخِيهِ } المقتول أى من دم أخيه والتارك ورثة المقتول ، وقيل الأخ ولى الدم ، والمراد الأخوة في التوحيد ، وفيه رد على الصفرية القائلين بأن فاعل الكبيرة والمعصية مشرك ، وبعد التأويل بالأحوة في الآدمية ، وذكره بلفظ أخيه ليرق له والقتل لا يقطع الأخوة { شَىْءٌ } من القتل ولو جزءا من ألف جزء ، أو شيئًا من الدية تركه الورثة كلهم أو بعضهم { فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ } أى فالواجب ، أو فعلى المعفو له ، أو فالأمر أن يتبعه العافى وسائر الورثة بالدية أو ببعضها إن ترك البعض منها ، بلا عنف وبلا ملازمة إن أعسر ، وأن يؤدى القاتل الدية ، أو ما بقى منها بلا مطل ولا بخس ، وإن ترك القتل والدية فلا اتباع ، والواجب القتل ، والدية بدله ، فلو قال عفوت عنه لم يكن له قتل ، لأنه الأصل وقد عفا ، ولا دية لأنها بدله وقد سقط فلا دية ، وقيل الواجب أحدهما على الإيهام ، فلو عفا لم يحمل عليه بل لتبقى له ، بأن يحمل العفو على العفو عن القتل ، فيعطى الدية وإن صرح بما عفا فيه عمل به { ذَلِكَ } التخيير لولى الدم بين القتل وأخذ الدية والعفو { تَخْفِيفٌ مِن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } إذ لم يحتم القتل كاليهود ، ولا الدية كالنصارى ، وفى تحتيم أحدهما تضييق على الوارث والقاتل { فَمَنِ اعْتَدَى } بالقتل { بَعْدَ ذَلِكَ } أى بعد تركه ، أو بعد أخذ الدية أو بعد العفو الكلى { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فى الدنيا بالقتل ، فإنه لا يعفى عنه ولو عفا عنه ولى القاتل ، كما جاء به الحديث ، وفى الآخرة بالنار إلا إن تاب فلا عذاب في الآخرة عليه في ذلك ، وعليه القتل ولو تاب ، ورى عنه A: