فهرس الكتاب

الصفحة 455 من 6093

{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الهِ جَمِيعًا } كونوا على دين الله بالاتباع بالإسلام والاعتقاد والطاعة والإخلاص ، وعن ابن مسعود بالطاعة والجماعة ، فينجو من النار إلى الجنة ، كمن يمسك ببل يطلع به ، من مضرة ، أو يرتفع به إلى منفعة ، قال رسول الله A: « القرآن حبل الله المتين » رواه الحاكم ، وعنه A « القرآن حبل الله المتين لا تنقضى عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد ، من قال به صدق ، ومن عمل به رشد ، ومن اعتصم به هدى إلى صراط مستقيم » أى لا يبلى من كثرة التردد بقراءته ، بل هو أبدًا طوى ، قال الشاطبى: وبعد فحمل الله فينا كتابه . عن ابن مسعود عنه A: « حبل الله القرآن » ، وعن زيد بن ثابت عنه A: « القرآن وأهل بيتى لن يفترقا حتى يردا على الحوض » ، شبه قبول دين الله أو القرآن والعمل به والانتفاع بإحضار حبل وثيق ، والارتباط له ، والتوصل به إلى خير ، فذلك استعارة تمثيلية ، وهى أولى من استعارة الإفراد ، كاستعارة الحبل للعهد ، تصريحية أصلية ، والقرينة الإضافة ، واستعارة الاعتصام للوثوق بالعهد تصريحية ، أصلية ، واشتقاق اعتصم تصريحية تبعية ، وكاستعارة الحبل ، وإبقاء اعتصموا ترشيحًا ، أو في الحبل مكنية وفى الاعتصام تخييلية ، ويجوز اسعتمال الاعتصام مع أنه تمسك مخصوص بجسم في مطلق التوثق ، فمنه التوثيق بعهد الله ، فذلك مجاز مرسل أصلى لعلاقة الإطلاق والتقييد ، واشتق منه اعتصم مجازًا مرسلًا تبعيًا { وَلاَ تَفرَّقُوا } لا تتفرقوا عن الإسلام بالختلاف فيه ، ولا بذكر مايزيل الألفة ، كتفرق الجاهلية بالحروب ، وتفرق أهل الكتاب بعد كونهم معه ، اولا تتفرقوا فيما بينكم أو فيما بينكم وبين الرسول { وَغذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَليْكُمْ } يا أيها الأنصار بالتوفيق للإسلام وتوابعه ، أى إنعام الله عليكم وقت { كُنتُمْ أَعْدَآءً } تقتتلون وتتحاقدون وتتشائمون مائة وعشرين سنة قبل الإسلام ، ولا يتعلق نعمه ، فيتعلق إذ بمحذوف حال ، والأول أولى ، لأن فيه الحمد على الفعل ، وهو الإنعام وهو أبلغ من الحمد على أثره ، وهو النعم { فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } بهدايته لكم للأسلام { فَأَصْبَحْتُمْ } صرتم ، واختار لفظ الصباح لأنه أفضل من الليل ولأنه أول النهار ، لأأو لأنه بعد الظلمة كالإسلام بعد شرك ، مع احتمال أن ذلك وقع صبحًا تحقيقًا { بِنِعْمَتِهِ } بالإسلام أو بالتأليف به أو بنبيه A { إخْوَانًا } فى الدين والتناصر كأخوين من أب وأم تناصرًا لنسبهما ، وكان الأوس والخزرج لأب واحد وأم واحدة ، وتناصرهم للإسلام ، لا لاتحاد الأبوين ، فالمؤمنون من حيث إنهم منتسبون إلى أصل واحد ، وهو الإيمان ، كالإخوة المنتسبين إلى أب واحد وأم واحدة ، والأول سبب للحياة الأبدية والثانى سبب للحياة الفانية ، وآخر الحرب بين الأوس والخزرج يوم بعاث ، وقيل الخطاب لمشركى العرب ، ولعل المراد بعد إسلامهم ، لقوله: فأصبحتم إخوانًا بالإسلام { وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ } طرف الحفرة الأسفل ، إذ كانوا في الكفر والفتن الموجبة للنار ، كما قال { مَّنَ النَّارِ } التى هى جهنم ، ما بينكم وبينها إلا الموت على الشرك ، أوتمثيل للخسران { فَأَنْقَذَكُمْ } خلصكم { مِّنْهَا } من الحفرة أو من النار ، أو من شفا ، وأنث لإضافته لمؤنث يصلح الاستغناء به عنه ، أو لاعتبار معنى شفة البئر ، والمراد من موجبات النار ، بتوفيقه إياكم إلى الإسلام ، أو بمحمد A ، أو الشفا الطرف الأعلى من الحفرة ونحوها ، كقوله تعالى: على شفا جرف ، بمعنى أنهم أشرفوا على النار بكفرهم وفتنهم ، فنجاهم الله منها بالإسلام ، تلو ماتوا قبل الإسلام لدخلوها ، شبه الموت على المعصية بالكون على شفا حفرة من النار بجامع ترتب المضرة ، ومضرة المعصية الخسران والعذاب قبل جهنم ، ألا ترى إلى قوله A الواقع حوا لالحمة يوشك أن يقع فيه ، ومعنى إنجائهم من الشفا إنجاؤهم من مظنة الهلاك { كَذَلِكَ } مثل تبينه لك حال الأنصار قبل الإسلام وحالهم بعده { يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ءَايآتِهِ } أى سائر دلائله على سائر دينه { لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ } إلى ما لم تهتدوا إليه قبل ، أو تبقون على الاهتداء ، ومر معانى صيغة الترجى من الله ، أو أراد بالترجى الإرادة المتشابهة أواللزوم إلى التسبب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت