{ لَتُبْلُوَنَّ } أيها المؤمنون ، قيل والنبى { فِى أَمْوَالِكُمْ } والله لتعاملن معاملة المختبر في أموالكم ، بإيجاب الإنفاق منها ، وإيجاب الصبر على الآفات فيها واقتصر بعض على هذا وضعفوه ، وربما تقوى بأن الواجب في الأموال قد نزل وقبلوه ، وليس مستقبلا نزوله { وَأَنفُسِكُمْ } بإيجاب الجهاد والصبر على موتاكم ، والآية والأسر ، والمرض ، والجوع ، والتعب ، والهموم ، والصبر على موتاكم ، والآية تسلية عما يأتى ليقابلوه بحسن الصبر بعد تسلية عما مضى ، لأن هجوم البلاء مما يزيد في اللأواء ، والاستعداد للكرب مما يهون الخطب ، وقدم الأموال ترقيا من الشريف إلى الأشرف ، ولأن الآفات فيها أكثر { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَيْلِكُمْ } اليهود والنصارى والصائبين { وَمنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا } كفار قريش وغيرهم من العرب { أَذىً كَثِيرًا } كهجو رسول الله A والطعن في دينه ، وإغراء الكفرة على المسلمين ، والتشبب بنسائهم ، أخبرهم الله بأنه سيكون ذلك ليستعدوا له بالصبر ، ويسهل عليهم بعض سهولة { وَإن تَصْبِرُوا } على ما ذكر من البلاء في أموالكم وأنفسكم والأذى { وَتَتَّقُوا } مخالفه أمر الله ونهيه أثابكم الله ما لا غاية له أو أحسنتم أو أصبتم { فَإِنَّ ذَلِكَ } أى لأن ذلك المذكور من الصبر والاتقاء ولابعد لعلو درجة الصبر والاتقاء أو لعدم ذكر المشار إليه تصريحا وأفرد الكاف لخطاب من يصلح ، أو للعموم البدلى بعد الشمولى ، أو للنبى A خصوصا بعد العموم ، وإما أن يقال أفرد لأن المراد بالخطاب مجرد التنبيه فلا وجه له لبقاء الخطاب بلا مخاطب { مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } أى من معزومات الأمور ، والعزم مصدر بمعنى اسم مفعول ، أى من الأمور المعزوم عليها ، أى التى يجب العزم عليها ، والعازم العبد أى يجب أن يقصدها ويصمم عليها ، أو الله ، أى أوجبها الله عليكم إيجابا شديدا ، يجوز أن يقال عزم الله على كذا ، وعزم كذا بمعنى أوجبه ، ومن ذلك قولهم عزمات الله وقراءة بعض ، فإذا عزمت فتوكل على الله بضم التاء ، وأما قول أم عطية نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا ، ورواية ، رغبنا في قيام رمضان من غير عزيمة ، فلا دليل فيهم لإمكان العزم منه A والصبر والاتقاء واجبان قبل نزول القتال وبعده ، فالقتال واجب مع الصبر والاتقاء فلا نسخ في الآية ، بل أمره الله بالصبر على أذاهم بالقول والفعل والطعن ومداراتهم وتحريفهم عن تأويلهم الفاسد ، والصبر على قتالهم ، ومشاق القتال ، ركب A وأردف أسامة خلفه على دابة فوقها قطيفة فدكيه ليعود سعد بن عبادة في بنى الحارث ابن الخزرج ، فمر بمجلس فيه عبد الله بن أُبى ، وفيه اليهود ، والمشركون ، والمسلمون ، وغشيهم عجاجة الدابة فخمر أنفه ، فقال: لا تغبّروا علينا ، فنزل A فوعظهم ، ودعاهم إلى الله سبحانه ، وقرأ القرآن ، فقال ابن أُبى: أيها المرء لا أحسن مما تقول ، إن كان حقَّا فلا تؤذنا في مجالسنا ، ارجع إلى رجلك فمن نحب ذلك ، فكاد القتال يقع ، واشتد النساب ، فما زال A يسكتهم حتى سكتوا فلما دخل على سعد رضى الله عنه ذكر ذلك له ، فقال يا رسول الله اعف عنه ، جئنا ، وقد اصطلحوا أن يتوجوه ويعصبوه ، فزال ذلك بما جئتنا به ، فعفا عنه ، وكان كعب بن الأشرف اليهودى يهجو المؤمنين ، ويتشبب بنسائهم ، ويكفر به A هو واليهود والمشركون ، ويشتد أذاه ، فقال A: من بابن الأشرف؟ فقال محمد بن سلمة: أنا يا رسول الله ، فخرج هو وأبو نائلة رضيعه ، وجماعته فجاءوا برأسه آخر الليل ، وهو يصلى ، ونزلت الآية في ذلك كله .