فهرس الكتاب

الصفحة 873 من 6093

{ وَإِذْ قَالَ } أَى يقول والماضى للتحقق كأَنه وقع ، والعطف على إِذ قال الحواريون ، وقيل: قال ذلك حين رفع إِلى السماء { اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلَّناسِ اتَّخِذُونِى وَأُمِّى } لم يقل ومريم ليوبخهم أَيضًا بأَنهم جعلوا من هو مولود ومن هى والدة إِلهين مع أَن الإِله لا يلد ولا يولد { إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ } لما نزلت الآية أَنكر النصارى القول بأَن مريم إِله خجلا ، أَو كان قوم منهم قبلهم يقولون ذلك ولم يدروا بهم ، كما حكى بعض الشيعة عن بعض النصارى أَى طائفة منهم فيما مضى تسمى المريمية يعتقدون أُلوهيتها ، كما أَن في أَسلاف اليهود قومًا يقولون عزرير ابن الله تعالى ، وذلك أَولى من أَن يقال عظموها تعظيم الله سبحانه فكأَنهم جعلوها إِلهًا كقوله تعالى { اتخذوا أَحبارهم } إِلخ ، وأَولى من أَن يقال لما جعلوا عيسى إِلها لزم أَن أمه إِله لأَن الولد من جنس من ولده توبيخ للنصارى بإِقرار عيسى ومريم بعبوديتها لله D ، وبكذبهم على قولهم بألوهية عيسى وأمه عليهما السلام وأَن عيسى قائل لهم اتخذوني إِلخ ، ولهذا قال أَأَنت قلت لوم يقل أَقلت ، ولا يصح ما قيل أَنه لو قال أَقلت لكان المستفهم عنه وقوع الاتخاذ وهو معلوم الوقوع لا يستفهم عنه ، لأَنا نقول المستفهم عنه القول لا الاتخاذ ، ومعنى الاتخاذ من دون الله استلها مهما بالله توصلا بهما إِليه تعالى كقول عبدة الأصنام: تقربنا إِلى الله لزلفى ، ويقال لم ينف الله نصرانى بل يعبدون الله وإياهم ، قالوا لعنهم الله: الله كالشمس وهم كشعاعها ، ومن فعل ذلك لم يكن عابدًا إِلا لغير الله لأَن الله أَغنى الشركاء عن الشركة ، أَو معنى الاتخاذ من دون الله الاقتصار على عبادتها ولو عبدوه أَيضًا لبطلان عبادته بالشركة ، والأُلوهية لا تتعدد ولا تتجزأ ، ولو كان معتقدهم اجتماع عبادته وعبادتهما أَو أ ، هما الإِلهان لا الله حتى قالوا أَنه هو خالق معجزاته لا الله ، ولا قائل الآن منالنصارى أَن عيسى وأُمه خلقا تلك المعجزات { قَالَ } مرتعدا مقشعرا منفجرة من أَصل كل شعرة عين دم { سُبْحَانَكَ } أَسبحك عن الإِنكار والشركة وصفات الخلق ، وقدر بعض سبحانك أَن أَقول ذلك أَو يقال ، وبعض سبحانك أَن يكون لك شريك فضلا عن أَن تنفى الأُلوهة عنك وتثبت لغيرك ، وبعض سبحانك أَن تبعث رسولا يدعى الأُلوهة لنفسه أَو غيره ويدعو إِليها ويكفر نعمتك { مَا يَكُونُ } لا يليق ولا يثبت { لِى أَنْ أَقْولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ } من إِثبات الأُلوهية لى ولأَمى والأَمر باتخاذها لغيرك ، وحق خبر ليس ولى متعلق بليس أَو بحق أَو حال منه أَو بيان ، أَى أَعنى لى أَو الخبر لى فتكون الباء غير صلة بل تعلق بلى أَو باستقراره ، أَو حال من ضمير الاستقرار ، ولا إِشكال في نصب القول المفرد الذى معناه جملة فإِن ما في الآية بمعنى اتخذونى وأُمى إِلهين من دون الله ، كما تقول قال شعرًا ، وإِنما يؤول بالذكر لو نصب مفردا ليس في معنى الجملة نحو قلت الله ، أَى ذكرت هذا اللفظ { إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ } صح الماضى المتصرف خبَرًا لكان لأَنه في مقام الشرط والشرط أَبدًا مستقبل كالجواب وهو هنا كذلك لأَن المعنى إِن صح أَنى قلته والصحة منتظرة الوقوع ، وفى معناه قول الفارسى إِن المعنى إِن كنت الآن قد قلته فيما مضى لأَن كونه الآن متصفًا بأَنه قاله في الماضى منتظرًا لصحته ، وكذا علمته أَى فقد تبين الآن علمكه ، فكان كغيرها للاستقبال بعد أَداة الشرط ، والآية من انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم فإِن كون عيسى قائلا بذلك يستلزم علم الله تعالى بكونه قال ، فإِذا انتفى علم الله به فهو لم يكن { تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى } أَجاز بعض كون العلم بمعنى المعرفة ولم يشرط للمعرفة تقدم الجهل فله مفعول واحد ، ومن شرط ذلك قدر تعلم ما في نفسى ثابتًا ، والنفس الذات أَو القلب { وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } ما في معلوماتك التى لم تطلعنا عليها أَو ما عندك ، وعبر بالنفس للمشاكلة لأَنه جل وعلا لا يتصف بالقلب ، وكذا لا يقال لا أَعلم ما في ذاتك لأَنه تعالى لا يكون ظرفًا ، وإِن فسرنا النفس بالذات فالمشاكلة بلفظ في نفسى جناس ، ومن هذا المعنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت