{ اللهُ نُور السَّموات والأرْض } أى الظاهر فيهن كظهور النور وإظهاره غيره في الظلمة ، بإيجادهن وإيجاد ما فيهن ، والتصرف في الكل والابقاء والافناء ، وارسال الرسل ، وإنزال الكتب والهداية لمن فيهما الى صلاح الدين والمعاش ، ولولا فعله ذلك كن مظلمات ظلمة حسية وعقلية ، كعدم الشمس نحوها ، وكالجهل والجور ، او المعنى ذو نور السموات والأرض هاديهما ، أى هادى من فيهما ، وقد قال الله D: { يخرجهم من الظلمات الى النور } أى من الباطل الى الحق ، وقال: « يهدى الله لنوره من يشاء » وأضاف النور الى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه وإضاءته ، كأنهن أضأن به إضاءة حسية مالية لهن .
{ مثل نُوره } بمعناه المذكور ، وعن ابن عباس: النور هنا القرآن ، وذلك كقوله D: { وأنزلنا إليكم نورًا مبينًا } وقيل محمد A { كمشكاة } كنور مشكاة ، أى النور الذى فيها ، وضوء المشكاة أقوى لأنه يجتمع منعكسًا ، بخلاف الضوء في بسيط من الأرض ، وذلك تشبيه للمعقول بالمحسوس ، وهى فسحة في نحو حائط غير نافذة ، وهو عربى أصله مشكوة ، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتحة ، وقيل: حبشى عرب ، وقيل: رومى عرب وفى الآية تشبيه الأعلى بالأدنى ، قال أبو تمام يمدح المأمون:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء أياس
فقيل له: إن الخليفة فوق من مثلته بهم فقال:
لا تنكروا ضربى له من دونه ... مثلا شرودًا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس
ومن ذلك قوله تعالى: { كأنهن الياقوت والمرجان } { فيها مصْباحٌ } سراح كبير ، وقيل فتيلة { المصْباحُ } المذكور { في زْجاجةٍ } صافية زهراء { الزجاجة } المذكورة { كأنَّها كوكبٌ دُرىٌّ } منسب الى الدرة الصافية المنيرة ، او الى الدرى بهمزة قلبت ياء وأدغمت فيها الياء من الدرء بمعنى الدفع ، يدفع الظلمة ، ولكن فعيل بضم الفاء وكسر العين مشدد ، وإسكان الياء قليل ، ورد منه ذرية وسرية وعلية ، ومريق لحب العصفر والفرس السمين ، ومريخ لما في داخل القرن ، وقيل أصله دروء في ذرية وسرية ، قلبت الغمة كسرة ، قالوا ياء والهمزة ياء ، وكذا قيل في ذرية ، نسب الى لاذر إذ خرجوا من آدم كالذر وضم شذوذًا .
{ يوقدُ } أى المصباح فالجملة خبر ثان للمصباح ، أو حال أو مفعول ، أو مستأنفة { من شَجرةٍ } من زيت شجرة بواسطته فتيلة { مباركة } كثر الله فيها المنافع ، وأنبتها في الأرض التى بارك فيها للعالمين ، وبارك فيها سبعون نبيًا منهم ابراهيم عليهم السلام { زيتونةٍ } شجرة الزيت بدل من شجرة ، أو عطف بيان نمها على جوازه في النكرات ، قال A: « إيتداموا بالزيت وادّهنوا به فانه من شجرة مباركة »