{ هُنَالِكَ } فى هذا المكان المجازى ، وهو ثبوت الرزق لها بلا حساب من الجنة في غير أوانه ، والولد للعجوز أو في المكان الحقيقى ، وهو المحراب إذ دخله ، أو الزمان فإن هنا قد يطلق عليه تبيه بولادة العجوز وثبوت الرزق من الجنة ، وفواكه في غير أوانها إلى أن هذا من جملة الأزمان المفتوحة للخوارق ، وإلى أن الولد كلاثمرة والنبات ، وإلى أن الله يقد أن يرزق له وهو كبير ولدا من امرأة عاقر كبيرة ، خرقا للعادة كذلك ، وذلك التنبه لا يقتضى الغفلة الخارجية عن منصب النبوة ، لأنه تنبه فوق لعم وتنبه في حق خصوص نفسه ولا يعترض قياسا الولد من عاقر إلى الثمار باستبعاده الولادة عند التبشير بها ، لأنه نسى هذا القياس باستعظام البشارة ، ولأن من أحب حصول شيءى جدا يجب تصوره وأجحواله ولو عرفها { دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } كأنه قيل ما دعاؤه ، فقال الله { قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيَّبَةً } مباركة صالحة عابدة { إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ } وليس تقديم هنالك للحصر ، بل على طريق الاهتمام برتبة الرزق في غير معتاده ، وهذا قابل ، لأنه أخر الدعاء إلى السحر أو الجمعة أو نحو ذلك ، وروى أنه اغتسل وصلى ودعا جوف الليل ، وإن قلنا ، هنالك ذلك المكان الحقيقى أو الزمان قلنا دعا فيه ، ودعا بعد ، فلا حصر ، أو التقديم للحصر ، باعتبار دعاء دعَا به في ذلك غير دعاء آخر أخره ، وعن الحسن قال ، يا رازق مريم ثمار الصيف في الشتاء وثمار الشتاء في الصيف ، هب لى من لدنك ذرية طيبة ، والذرية الطيبة من يستحق من ولده إرث العلم والنبوة وسمع الدعاء إجابته ، لأنها من لازم السمع وسببه ، واختار لفظ رب إشارة إلى آثار التربية المناسة المولد المطلوب ، دعا ثلاثا هده ، وإنى وهن العظم منى ، ولا تذرنى فردا ، وبين كل واحدة والأخرى زمان ، وقيل بمرة وفرق في ذكرها ، ويدل على ذلك الفاء في قوله:
{ فَنَادَتْهُ المَلاَئِكَةُ } أى جنسهم للصادق بالواحد الذى هو جبريل المنادى ، فلو حلفت لتلبس الثياب لبررت بواحد ، أى وصل إليه البداء من جنس الملائكة لا من جنس آخر ، وسماه ملائكة تعظيما ، أو المراد فناداه بعض الملائكة أو شبه الواحد بالجماعة بجمعه ما لهم من الخصلا ، أو نادوه كلهم ، وهو غير محال ، ولو لم يتعارف ، أو جبريل بالنطق وغيره بالحضور والرضا ، فيكون عَلَى هذا من عموم المجاز { وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى } نفلا ، ليدعو عقبه ، قيل يصلى يدعو { فِى المِحْرَابِ } محرابه ، وقيل محراب مريم ، وهو ما مر ، أو هوالمسجد أو بمعنى أشرف ، وضع في المسجد ، وذكر قائما مع يصلى مبالغة ، إذ يكفى ذكر الصلاة ، لأنها في قيام أصلًا ، ولأن طول القيام أفضل من كثرة الركعات على الصحيح ، والجملة حال من المستتر في قائم ، أو خبر ثان ، أو حال ثانية { أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى } لفظ عجمى عبرانى ، وأنت خبير بأن العبرى قريب من العربى ، فهو مشعر بالحياة ولو كان لا تصرف له ، وقد قيل ، اسمه حيا ، وزاد الله له حرفا من حروف بسارة زوج إبراهيم ، فهى سارة ، وهو يحيى ، وقيل عربى منفول من المضارع ، لأن الله أحيا به عقم أمه ، أو لأن الله أحيا قلبه بالإيمان أو بالعلم والحكمة اللذين يؤناهما ، أو لأن الله يحيى به الناس من الضلال ، أو لأن الله سبحانه علم أنه يموت شهيدًا ، والشهداء أحساء عن ربهم يرزقون { مُصَدِّقًا بِكَلِمةٍ مِّنَ اللهِ } هى الإنجيل أو التوراة ، أو كلاهما ، تسمية للكل باسم الجزء ، وقيل .