{ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً } على دين الله في عهد آدم عليه السلام ، إلى أن قتل قابيل هابيل ، فكفر قابيل ، وعلم أولاده الكفر ، وهذا أولى ما يقال ، لأن ذلك في أول الناس ، ويليه أن يقال المراد من بعد الطوفان ، ممن في السفينة ومن لم يكن فيها ، ولم يغرق ، ولا سلامة ، لأنهم تمحضوا للإسلام إلى أن كفر من كفر بعد ، وهو حسن ، وليسوا قليلا مع من لم يغرق ، مه أنه القلة لا تضر ، وأزواج حام وسام ويافث مسلمات ، وقال ابن عمر: كان الناس متفقين على الكفر حتى بعث الله إبراهيم ولوطًا ومن بعدهما ولم يرفعه إلى رسول الله A إلا أنه مما لا يعلم بالرأى ، فلا يقال إن الاتفاق على الكفر في زمان غير معلوم ولا اتفاق على الإسلام ولا على الكفر بين آدم وإدريس ، ولا بين آدم ونوح ، ولا يظهر أن بين نوح ومن قبله أكثرهم مؤمنون ، بل يظهر أن أكثرهم كفار ، فقد يقال بالاتفاق على الكفر ، ولم يعتبر قليل الإسلام ، ويناسب قول ابن عمر قوله تعالى { فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشَِّرِينَ } للمؤمنين بالجنة { وَمُنذِرِينَ } للكافرين بالنار ، فإن الاتفاق على الكفر أو اتفاق الأكثر مع إلغاء الأقل أدعى إلى بعث الرسل أكثر مما يدعو إليه الاختلاف ، ولو جاز أن يراد اختلفوا كفرا وإيمانا بعد الاتفاق على الإيمان ، بدليل قوله D ، « فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين » { وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ } أى أَرْسَلَ معهم متعلق بمحذوف ، حال مقدرة ، أى مصاحبة لهم أو مقارنة أو مع بمعنى إلى ، أو على متعلق بأنزل { الْكِتَبَ بِالْحَقِّ } ناطقًا بالحق ، حتى لا يبقى اختلاف ، والمراد جنس الكتب ، فمن الأنبياء من معه كتاب خص به ، ومنهم من معه كتاب من قبله أو في زمانه ، والمراد ما يشمل الصحف ، عشر صحف على آدم ، وثلاثين على شيث ، وخمسين على إدريس ، وعشرا على موسى ، والتوراة والزبور والإنجيل والقرآن ، وذلك مائة كتاب وأربعة ، والرسل ثلثمائة ، وثلاثة عشر ، والأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا ، { لِيَحْكُمَ } الله ، كما قرىء ، لتحكم ، أو جنس النبى المبعوث ، وأفرد لأن الحاكم كل واحد أو أسند الحكم للكتاب على طريق المجاز العقلى { بَيْنَ النَّاسِ } مطلق الناس ، لا خصوص الذين كانوا أمة واحدة ، لأن الإنزال بعد الاختلاف ، فلذلك لم يضمر { فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيه } من الحق وغيره ، أو في الكتاب على التوزيع ، يختلفون فينزل الكتاب الأول ويقع الاختلاف بعد ذلك إنزال كل كتاب على حدة ، والمراد بالإنزال معهم الإنزال مع بعضهم ، والمراد المجموع فإن أكثرهم لم ينزل عليه كتاب ، بل يتبع كتاب من قبله ، أو كتاب من معه ، وأل في الكتاب للجنس ، فيشمل كتبا كثيرة ، والمذكور من الأنبياء في القرآن ثمانية وعشرون على اختلاف في يوسف غافر ، أهو غير ابن يعقوب ، وعزير وذى القرنين ولقمان وتبع مريم وأم موسى { وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ } أى في الحق والكتاب ، بأن صرفوه أو أولوه بما لا يجوز { إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ } أى الكتاب ، والأمة أوتيت كتابا كما أوتيه نبيها ، لأنه أنزل عليه له ولهم { مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَتُ } الدلائل الشاهدة على حقيقة دين الله من الآيات المعبر عنها بالكتاب ، ومن الشواهد العقلية ، والمنزل كتاب من حيث إنه جمع حروفا وكلمات وآيات ، من حيث إنه علامة وبينات من حيث الوضوح { بَغْيًا } ظلما أو حسدا للحرص على الدنيا ، ومنشأ الاختلاف في الأكثر الحسد ، والحسد سبب للظلم ، وهو تعليل الاختلاف ، والتفريغ والإبدال جائزان في الاستثناء ، ولو باعتبار متعدد ، نحو ما جاء إلا زيد راكبا ، أى ما جاء أحد راكبا إلا زيد راكبا ، وما جاء رجل راكب إلا زيد الراكب ، والمانع ، وهو الجمهور ، يقدر عاملا أى اختلفوا بغيا ، وأجازه بعض في الإبدال ، ولا خلاف في جوازه بالعطف مطلقا { بَيْنَهُمْ } نعتا لبغيا { فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ } أهو الحق ، فمعنى آمنوا شارفوا الإيمان لأن هداية من آمن إلى الإيمان تحصيل الحاصل ، أو آمنوا بالكتاب والهداية لما سواه من الحق ، أو آمنوا ، والهداية الإثبات على الإيمان أو آمنوا ، والهداية زيادة ما منحوه من الحق ، اختلف كل أمة ، وهدى الله من كل واحدة بعضها إلى الحق ، أو الذين آمنوا هذه الأمة ، والمختلفون غيرهم ، أخذ اليهود السبت ، والنصارى الأحد ، وهدانا الله تعالى للجمعة ، واستقبلت النصارى واليهود بيت المقدس ، وهدانا الله تعالى للكعبة ، ومنهم من يركع ومنهم من يسجد ، ومنهم من لا يركع ولا يسجد ، ومنهم من يصلى ما شيا ، ومنهم من يصلى ويتكلم ، وهدانا الله لما علمت من الركوع والسجود وترك الكلام ولا يمشى إلا لضرورة ألجأته إلى المشى ، ومنهم من يصوم الليل والنهار ، ومن يصوم عن بعض الطعام ، وهدانا الله إلى ترك الوصال بعد وقوعه ، وترك كل طعامن وقال بعض ، إبراهيم يهودى ، وبعض نصرانى ، وهدانا الله تعالى إلى أنه مسلم ، وبعض إلى أن عيسى ولد زنا ، وبعض أنه إله ، وهدانا الله تعالى إلى أنه رسول الله وروح منه { وَللَّهِ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أفعال أو اعتقادات لا عوج فيها ، توصل إلى الجنة لا تقصر دونها ولا تميل ، وأكدها بتكرير لفظ الجلالة في موضع الإضمار ومضارع الاستمرار والاسمية .