وتأمل كيف جعل الله الحمد والسياحة قرينتين هذا الثناء عليه بأوصاف كماله وسياحة اللسان في أفضل ذكره وهذه سياحة القلب في حبه وذكره وإجلاله كما جعل - سبحانه - العبادة والسياحة قرينتين في صفة الأزواج، فهذه عبادة البدن وهذه عبادة القلب"."
لقد كانت السياحة قبل الإسلام تعني الرهبانية فقد كان الرهبان يسمون سياحا لأنهم يتركون الدنيا ويخرجون إلى الفلوات ليعيشوا مع الوحوش.
وعندما جاء الإسلام ذمهم على ذلك وقال الله فيهم ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم.
وعندما أراد بعض المسلمين الترهب والسياحة منعهم رسول الله وبين لهم أن ذلك المعنى ليس موجودا في دين الإسلام ثم بين لهم المعنى الصحيح للسياحة.
جاء ذلك في ما رواه أبو داود - رحمه الله - عن أبي أمامة - رضي الله عنه - أن رجلا قال يا رسول الله ائذن لي في السياحة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ) ).
فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن أمته سياحتهم الجهاد في سبيل الله.
وبهذا فقد أبطل الرسول ذلك المفهوم وأصبحت السياحة لفظة شرعية تعني الخروج للجهاد في سبيل الله - تعالى -، ومضى على ذلك المسلمون في عصور الإزدهار والعزة حتى كانوا لا يرون أن هناك سفرا إلا للغزو في سبيل الله أو الحج أو طلب العلم وكل ذلك من الجهاد.
وعندما جاءت هذه العصور المتأخرة وأصاب المسلمين الذلة والهوان وتركوا الجهاد وركنوا إلى الدنيا وأعجبوا بالحضيرة الغربية، نسوا هذا المفهوم الإيماني وأخذوا بالمفهوم الغربي المنحرف وأصبحت كلمة السياحة عندهم مرادفة للعبث واللهو والفسق والفجور والسير في الأرض بلا هدف، وإضاعة للأوقات، بل قل وإضاعة للحياء والدين والأخلاق والتنصل من الفضيلة والوقوع في الرذيلة.
لقد كان المسلمون في العصور العزيزة وفي القرون المفضلة وما بعدها إذا اقترب فصل الصيف بدأوا بالإعداد للسياحة وقاموا بحملات التنشيط السياحي والدعاية الإعلامية السياحية.
لكن ليس التنشيط الذي تعرفون ولا الدعاية التي تعايشون.
لقد كان التنشيط السياحي في ذلك الوقت ينطلق من المساجد والدعاية السياحية تطلقها منابر الجمعة.
لم تكن تعلن عن المغنين والمغنيات ولا عن الساقطين والساقطات ولا عن القمار والميسر والربا ولا الأسواق والتخفيضات، وإنما كانت تعلن قوله - تعالى: يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.
لم يكن التنشيط السياحي إعدادا للمسارح والمراقص والملاهي وأدوات الميسر، ولكنه كان إعدادا للسلاح وإسراجا للخيول وتعبئة للجند وحثًا على جنة عرضها السماوات والأرض.