فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 477

عبد الله درويش الغامدي

الخطبة الأولى

أما بعد:

إننا لفي زمن قد تغيرت فيه كثير من المفاهيم الإسلامية، وانتشرت فيه المصطلحات الغريبة من شرقية وغربية، وابتعد الناس فيه عن معاني القرآن والسنة وقواعد اللغة العربية.

لقد حرص المستعمرون على أن يطمسوا كثيرا من الكلمات والمصطلحات الإسلامية التي تتعارض مع مبادئهم وإلحادهم. وذلك بإدخال كلمات ومصطلحات جديدة، أو تجريد بعض الكلمات الإسلامية من معانيها الحقيقية وصرفها إلى معاني أخرى تتوافق مع مصالحهم.

والأمثلة على ذلك كثيرة. وواقع المسلمين اليوم يدل على وجود خلل في فهم الكلمات العربية، ويدل على بعد عن إدراك كثير مما ورد في الكتاب والسنة من مصطلحات وكلمات.

وإننا في هذا اليوم سنورد مثالا واحدا على بعد الناس عن المعاني الشرعية وانصرافهم عن التفسير الإسلامي إلى التفسير الغربي لبعض المصطلحات.

وهذا المثال هو تغير مدلول كلمة السياحة في أذهان الناس.

لقد تحول الناس عن العمل بمدلول السياحة في الحضارة الإسلامية إلى العمل بمدلولها في الحضارة الغربية.

لقد وردت كلمة السياحة في عدة مواضع من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وليس فيها موضع فسرت فيه على ما تدل عليه في أذهان الناس اليوم.

وردت السياحة في القرآن صفة من صفات أهل الجنة من المؤمنين حيث قال - تعالى: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين.

إن السياحة هنا صفة حميدة لأولئك الذين باعوا هذه البيعة وعقدوا هذه الصفقة التي هي أربح صفقة في تاريخ البشرية.

بعنا النفوس فلا خيار ببيعنا *** أعظم بقوم بايعوا الغفارا

فأعاضنا ثمنا ألذّ من المنى *** جنات عدن تتحف الأبرارا

فلمثل هذا قم خطيبا منشدا *** يروي القريض وينظم الأشعارا

ثم وردت كلمة السياحة مرة أخرى في وصف أفضل النساء اللاتي ينبغي أن يكن أزواجا للنبي. قال الله - تعالى: ( عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا) .

فما هو معنى السياحة في هذه الآيات؟

قال ابن القيم - رحمه الله تعالى:"وفسرت السياحة بالصيام، وفسرت بالسفر في طلب العلم، وفسرت بالجهاد، وفسرت بدوام الطاعة."

والتحقيق فيها أنها سياحة القلب في ذكر الله ومحبته والإنابة إليه والشوق إلى لقائه، ويترتب عليها كل ما ذكر من الأفعال ولذلك وصف الله - سبحانه - نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - اللاتي لو طلق أزواجه بدله بهن، بأنهن سائحات، وليست سياحتهن جهادا ولا سفرا في طلب علم ولا إدامة صيام وإنما هي سياحة قلوبهن في محبة الله - تعالى -وخشيته والإنابة إليه وذكره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت