الأصل الثاني: الغرماء ، إذا ضاق المال عن ديونهم فإنهم يتحاصّون على قدر مالهم ، فيمكن أن تشبه هذه المسألة بها ، وإليه ذهب عمر والصحابة ونرى أنه أعدل.
قال اللّه تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) اللاتي: جمع التي ، وهي تستعمل في جمع من يعقل ، أما إذا أريد جمع ما لا يعقل من المؤنث فإنه يقال التي ، فتقول: النسوة اللاتي خرجن ، والأثواب التي لبست ، وبعضهم يسوّي بينهما ، فيقول في الجمع المؤنث لمن يعقل: التي ، والأول هو المختار.
والفاحشة: الفعلة القبيحة ، وهي مصدر عند أهل اللغة ، كالعافية ، يقال: فحش الرجل يفحش فحشا وفاحشة ، وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل ، واتفقوا على أنّ المراد بها هنا الزنى ، والإتيان الفعل والمباشرة ، يقال: أتى الفاحشة وأتى بها بمعنى.
يقول اللّه: والنساء اللاتي يزنين من نسائكم ، فأشهدوا على زناهنّ أربعة من رجالكم ، فإن شهدوا بذلك ، فاحبسوهن في البيوت حتى يتوفاهنّ ملك الموت ، أو يجعل اللّه لهن مخرجا مما أتين به.
وقد كان ذلك في أول الأمر ، ثم جعل اللّه لهن سبيلا: الجلد والرجم.
أخرج ابن جرير «1» عن ابن عباس قوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ إلى قوله تعالى أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت ثم أنزل اللّه تبارك وتعالى بعد ذلك: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: 2] فإن كانا محصنين رجما ، فهذا سبيلهما الذي جعل اللّه لهما.
وأخرج «2» أيضا عن عبادة بن الصامت قال: قال نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «خذوا عني قد جعل اللّه لهن سبيلا ، الثيب بالثيب تجلد مائة وترجم بالحجارة. والبكر جلد مائة ونفي سنة» .
وقد ذهبت العلماء إلى أنّ السبيل الذي جعل للثيب هو الرجم دون الجلد ، لصحة الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه رجم ولم يجلد ، فاستدلوا بما صح من فعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم «3» على قوله: وهو خبر عبادة بن الصامت.
(1) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (4/ 198) .
(2) المرجع نفسه (4/ 198) .
(3) انظر حديث بريدة في صحيح مسلم (3/ 321) ، 29 - كتاب الحدود ، 5 - باب من اعترف على نفسه بالزنى حديث رقم (22/ 1695) .