وفيه بحث حسن سيأتي إن شاء الله تعالى، قوله: ورفع قليل؛ أي: مرفوعه وهو اللام الأخيرة كلّل النصب؛ أي: بالنصب؛ أي: جعل له كالإكليل وهو التاج أو يكون من قولهم: روضة مكللة؛ أي: محفوفة بالنور، فيكون قوله: رفع على ظاهره ليس بمعنى مرفوع؛ يعني: أن النصب في مثل هذا تابع للرفع كالنور التابع للروضة؛ لأن أصل هذا الباب عند النحويين البدل كما ذكرنا، فكأن النصب طارئ على ما هو وجه الكلام وأصله.
وَأَنِّثْ يَكُنْ"عَـ"ـنْ"دَ"ارِمٍ "تظْلَمُونَ غَيْـ ... ـبُ شُهْدٍ"دَ"نَا إِدْغَامُ بَيَّتَ "فِـ"ـي"حُـ"ـلا"
يعني:"كأن لم يكن بينكم وبينه مودة".
التأنيث لأجل لفظ مودة، والتذكير لأجل الفصل الواقع بين الفعل والفاعل مع أن المودة بمعنى الود والدارم الذي يقارب الخطا في مشيه؛ أي: القراءة منقولة عن شيخ هذه صفته ودارم أيضا: اسم قبيلة من تميم وليس ابن كثير منهم، خلافا لما وقع في شرح الشيخ - رحمه الله - وقد بينا الوهم في ذلك في الشرح الكبير في ترجمة ابن كثير، وأما: {وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} {أَيْنَمَا تَكُونُوا} فقرئ بالغيب؛ ردًّا على ما قبله من قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ} إلى آخر الآية، والخطاب على الالتفات وإن كان المراد: قل لهم فالغيب والخطاب من باب قولك: قل لزيد لا يضرب ولا تضرب بالياء والتاء، ومنه ما سبق.
"قل للذين كفروا سيغلبون"و"لا يعبدون إلا الله"ولا خلاف في الأول أنه بالغيبة وهو: {لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} ، {انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ} وأما"بَيَّتَ طَائِفَةٌ"فأبو عمرو على أصله في إدغامه، ووافقه حمزة فيه كما وافقه في مواضع أخر تأتي في أول سورة"والصافات"، ولولا حمزة لما احتاج إلى ذكر هذا الحرف لأبي عمرو هنا بل كان ذلك معلوما من إدغام الحرفين المتقاربين، فلما احتاج إلى ذكره لأجل حمزة رمز لأبي عمرو معه خشية أن يظن أنه لحمزة وحده، ولهذا نظائر سابقة ولاحقة، وكان يلزمه مثل ذلك في أول"والصافات"فلم يفعله، وقد قيل إن إدغام:"بَيَّتَ طَائِفَةٌ"ليس من باب الإدغام الكبير بل من الصغير، والتاء ساكنة للتأنيث مثل: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ} .
وقد ذكرنا وجه هذا القول على بعده في الشرح الكبير في باب الإدغام، وفي هذا البيت ثلاث مسائل وصلها بغير واو فاصلة بينها؛ إذ لا ريبة في ذلك والله أعلم.