النبذ: طرح الشيء لقلّة الاعتداد به ، وقولهم: جعلت كذا
خلف ظهري أي أهملته.
وقيل: تقدير الآية على ما يقرب من فهم العامة.
وإذ نَبَذَ أهل الكتاب وراء ظهورهم ما أخذ الله عليهم من الميثاق من تبيين ما أوتوه من الكتاب للناس ، واشتروا به ثمناً قليلًا ، وقد تقدّم الكلام فِي أخذ الميثاق عليهم ، وكيفية ذلك
وفي معاني الثمن القليل.
قوله تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(188)
المفازة من العذاب: هي المنجاة فِي قول الشاعر:
تحل بمنجاة من اللوم بيتها ...
والكلام فِي تكرير (لَا تَحْسَبَنَّ) ، ودخول"الفاء فِي الأخير"
منه صعب ، وقد قال الزجاج: لا تحسبن ، مكرر لطول القصة.
قال: والعرب تعيده إذا طالت القصة حسبت وما أشبهها.
إعلاما أنّ الذي جرى متصل بالأول ، تقول: لا تظنن زيداً إذا
جاءك وكلمك بكذا فلا تظننّه صادقا.
وقيل: الفاء زائدة.
والوجه فِي ذلك عندي أن قوله: (لَا تَحْسَبَنَّ) على الخبر وتقدير
الكلام فيه ، وذلك إشارة إلى يوم القيامة بعد أن يدخل الكفار
النار ، ويقال لهم: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ)
والمعنى: والله إنك لا تحسبهم حينئذٍ أنهّم بمفازةٍ من العذاب.
أي لهم سبيل إلى الخلاص فلا تحسبنهم الآن ، وهذا نهي والأوّل خبر ،
وحذف مفعول أحد الفاعلين ، وإذا قُرئ بالياء ، فكذلك ، ويكون
بتقديره: لا تحسبنّ أنفسهم كذلك.
والآية قيل: نزلت فِي قوم دخلوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فنافقوه ، فلمّا خرجوا ، أثنى عليهم بعض الناس ففرحوا بذلك.
وقيل: نزلت فِي الذين كتموا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وادعّوا علماً وعبادة أثنى عليهم بها قومهم ،