العالم حق اقتياد أمة والسهر على مصالحها. استأنف المسلمون بعد الهجرة تلقى القرآن الكريم ، كما كانوا يتلقونه خلال ثلاث عشرة سنة مضت قبلها ، وإن كان الجو قد اختلف ، فقد كان الحديث عن اليهود تاريخا تؤخذ منه العبرة ، أما الآن فالحديث عن اشتباك قائم ، وعراك يمس الحاضر والمستقبل..
وقد كانت الصلوات تقام على نحو فردى منعزل ، أما الآن فالمسجد ينبعث منه الأذان مهيبا بالمؤمنين أن يحضروا ، فالجماعة من شعائر الإسلام ، وقد يجيء المريض محمولا بين اثنين فيقيمانه فِي الصف ، ما يتخلف عن الصلاة إلا منافق كسول أو معذور محصور...! لقد بدأت معالم الدولة تبرز ، وصفة المجتمع الجديد تظهر ، وولى السلوك الفردى ليحل محله الولاء المشترك لدين شرع يضع طابعه على كل شيء ، فالأسرة كلها تذهب إلى المسجد ، الرجال والنساء والأولاد. وبدأت مطاردة المحرمات فِي البيت والشارع على سواء. إعمالا لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... كما بدأت السرايا تتكون لحماية الإيمان فِي موطنه الجديد ، وقمع من تحدثه نفسه بالعدوان! والقرآن كتاب متشابه المعاني والأهداف ، يشرح بعضه بعضا ، ويؤكد بعضه بعضا. ومعروف أن التوحيد بدأ غرسه فِي مكة ، وقد حوى القرآن المكي من الآيات ما أخمد أنفاس الشرك ، وجعله شبهات داحضة. فإذا تكرر الكلام فِي العمر المدنى فلمزيد من الإيضاح والتفصيل والتدليل. تلحظ ذلك وأنت تتلو قوله تعالى:"وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم"فإن الآية التي تلتها مباشرة حفلت بدلائل الوحدانية منتزعة من فجاج الأرض وآفاق السماء"إن فِي خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري فِي البحر بما ينفع الناس... إلخ". والآيات التي تلتها تشرح توحيد العاطفة والسلوك ، فالمؤمن يحب ربه ، وهو أشد حبا لله من غيره ، وثمرات هذا الحب الغالب تظهر فِي عمله ووجهته. والله سبحانه أهل لهذا الحب ، لأن المجد كله والعظمة كلها له وحده ، وهنا نسوق أعظم آى