ومِلاكُ الأمرِ كلِّه أن يقصِدَ بذلكَ وجهَ اللَّهِ ، والتقرُّبَ إليه ، بمعرفةِ ما أنزلَهُ
على رسولِهِ ، وسلوكِ طريقه ، والعملِ بذلكَ ، ودعاءِ الخلقِ إليه ، ومَنْ كان
كذلكَ ، وفَّقه اللَّهُ وسدَّده ، وألهمَهُ رشدَهُ ، وعلَّمه ما لم يكنْ يعلمُ ، وكان من العلماءِ الممدوحينَ في قولِهِ تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادهِ الْعُلَمَاءُ) ، ومن الراسخينَ في العلم.
فقد خرَّج ابنُ أبي حاتم في"تفسيره"من حديثِ أبي الدرداءِ أنَ رسولَ اللَّهِ
-صلى الله عليه وسلم - سُئلَ عن الرَّاسخينَ في العلم ، فقالَ:"من برَّت يمينُه ، وصدقَ لسانُه ، واستقامَ قلبُه ، ومَنْ عفَّ بطنُه وفرجُه ، فذلكَ منَ الرَّاسخينَ في العلم".
قال نافعُ بنُ يزيدَ: يقالُ: الرَّاسخون في العلم: المتواضعونَ للَّهِ ، المتذلِّلون
للَّهِ في مرضاتِهِ ، لا يتعاطُون من فوقَهُم ، ولا يحقرونَ من دونَهُم.
ويشهدُ لهذا قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:
"أتاكُم أهلُ اليمنِ ، هُمْ أبرُّ قلوبًا ، وأرقُّ أفئدةً."
الإيمانُ يمانٍ ، والفقهُ يمانٍ ، والحكمةُ يمانيَّة"."
وهذا إشارةٌ منه إلى أبي موسى الأشعريِّ ، ومن كان على طريقِهِ من
عُلَماءِ أهلِ اليمنِ ، ثمَّ إلى أبي مسلم الخولانيِّ ، وأُويسٍ القرَنيِّ ، وطاووس.
ووهبِ بنِ منبهٍ ، وغيرِهم من علماءِ أهلِ اليمن ، وكل هؤلاءِ من العلماء
الرَّبانيينَ الخائفينَ للَّه ، وكلُّهم علماءُ باللَّهِ يخشونَه ويخافونَه ، وبعضهم أوسعُ
علمًا بأحكامِ اللَّه وشرائع دينِه من بعضٍ ، ولم يكنْ تميّزهم عن الناسِ بكثرةِ
قيل وقال ، ولا بحثٍ ولا جدالٍ.