فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 135

وأصدق علة جامعة في هذا هي تعمد الإدخال: فالأكل والشرب يتفقان في إدخالهما إلى الجوف، فهي العلة التي يجب أن يقاس عليها حكم المفطرات، وهذا ما قرره جمهور أهل العلم، وسوف يأتي مزيد بيان لهذه العلة في المبحث الثاني إن شاء الله تعالى، والله أعلم.

الدليل الثالث: الاحتجاج بقول النبي ×: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» ، فالنهي عن المبالغة لئلا يدخل إلى الحلق ما يفسد الصيام. وهذا الإدخال لا يسمى أكلًا ولا شربًا، فدل على أن ذكر الأكل والشرب إنما هو من باب ضرب المثال كما دل على أن الإفطار يحصل بدخول المفطر من أي موضع كان، سواء كان عن طريق الأكل والشرب أو عن طريق الاستنشاق والاستعاط، كما دل على أن علة الإفطار هي الإدخال، وليست منحصرة على مجرد الأكل والشرب ولا على التغذية.

الدليل الرابع: قوله ×: «أفطر الحاجم» ، وهو حديث صحيح قد اعتمد الاحتجاج به الحنابلة وأهل الحديث، فهم لم يروه منسوخًا خالفًا لقول الشافعي ومن وافقه.

ومن المعلوم أن الحاجم يقوم بمص قرن الحجامة فربما وصل إلى حلقه الدم أو طعمه. فما يقوم به الحجام مظنة الإفطار، وهذا ليس بأكل ولا شرب. وهذا يؤكد أن المراد من ذكر الأكل والشرب ضرب المثل لما يفطر به الصائم، وقد نص ابن العربي المالكي على أن ذكر الأكل والشرب إنما جاء على التمثيل [1] .

وبعد البحث لم أقف على قول لأحد من أهل العلم يحتج

(1) أحكام القرآن 1/ 74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت