وإليك أخي طالب العلم ذكر الأمثلة التي تحدد المراد من هذا العرض كما تبين كيفية الاستفادة من هذه القواعد:
إن تحديد معاني ألفاظ اللغة ومعرفة المراد منها أمر واجب على الفقيه، إذ لا يصح له استنباط الأحكام إلا بعد ما يعرف المراد من اللفظ العربي، لأن الله تعالى بين حدود أحكامه بواسطتها، فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا} فالوقوف على معاني ألفاظها يعين الفقيه على إصابة الحق الذي ينشده من ترجيحه بين الأقوال. ويظهر هذا المعنى من خلال الأمثلة التالية:
1 -لفظ سفر: ورد هذا اللفظ لبيان جواز الإفطار في رمضان وقد اختلف العلماء في دلالته:
فقال الجصاص رحمه الله (ت 370 هـ) : «وأباح الله تعالى للمسافر الإفطار وليس للسفر حد معلوم في اللغة يفصل به بين أقله وبين ما هو دون فإذا كان ذلك كذلك وقد اتفقوا على أن للسفر المبيح للإفطار مقدارًا معلومًا في الشرع واختلفوا فيه فقال أصحابنا مسيرة ثلاثة أيام ولياليها وقال آخرون مسيرة يومين وقال آخرون مسيرة يوم ولم يكن للغة في ذلك حظ إذ ليس فيها حصر أقله بوقت لا يجوز النقصان منه لأنه اسم مأخوذ من العادة وكل ما كان حكمه مأخوذًا من العادة فغير ممكن تحديده بأقل القليل [1] .
ثم ذهب رحمه الله يدلل على صحة مذهب الحنفية بما ورد في السنة من تحديد أحكام السفر بثلاثة أيام. وقد أطال في ذلك،
(1) أحكام القرآن للجصاص 1/ 174.