ويحسن بمن نظر في خلاف المسألة الوقوف عليه.
وقد خالف الحنفية آخرون ممن يقول بأنه لم يرد في اللغة تحديد السفر فذهبوا إلى الأخذ بالعرف، غير أنهم لم يحددوا العرف كما لم يذكروا أعراف من سبقهم، فهم بهذا أحالوا الناس إلى أمر مجهول لا يكاد يدركه العلماء فكيف بأمر العامة، ولذا نجد رأي الحنفية أقرب إلى الأخذ بالدليل من هذا القول لأنهم احتجوا بما ورد في السنة من ذكر ثلاثة أيام كما أن قولهم معقول المعنى يفهمه العامة والعلماء على حد سواء، كما أن فيه احتياطًا لعزيمتي الإتمام والصيام، ومثل هذا القول يصح أن تبنى عليه الأحكام وهذا بخلاف من قال بالعرف، فإنه يصعب تحديده حتى على من يفتي به ولذا لا يصح أن يخاطب بمثله العامة.
أما جمهور العلماء فقالوا بأن السفر هو قطع مسافة يومين قاصدين وهذا أمر معقول المعنى. وقد دلت عليه اللغة العربية وذلك أن السفر قصد قطع المسافة والمسافة هي المفازة، والمفازة هي ربع ورد الإبل، لأنها تَرِدُ لثمان، وغِبَّ وِرْدِ الغنم، لأنها ترد ليومين [1] .
ثم إن المسافة قد حددها بعض الصحابة رضي الله عنهم فقال ابن عباس رضي الله عنهما: يا أهل مكة لا تقصروا إلى عرفة ولكن اقصروا إلى الطائف وعسفان.
فقول ابن عباس أدق ما ورد في تحديد المسافة؛ لأن الأحاديث متفاوتة في أيام السفر مما يوحي بأن العدد لا مفهوم له وبناء على هذا فإن تحديد دلالة اللغة يعطي الناظر في
(1) انظر مادتي: سوف، وفوز من لسان العرب.