فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 149

شيئًا، وبعد ذلك يوصي بالوالدين إحسانًا وحسنًا.

"الإحسان": هو أن تفعل فوق ما كلفك الله مستشعرًا أنه يراك، فإن لم تكن تراه فإنه

يراك، و"الإحسان"من"أحسن"فيكون معناها أنه ارتضى التكليف وزاد عليه. لأنك

حين جربت أداء الفرائض ذقت حلاوتها، علمت أن الله يستحق منك أكثر مما كلفك به.

فالمعنى: إياك أن تعمل مع والديك القدر المفروض فقط، بل ادخل في برّهما والإنعام عليهما والتلطف بهما والرحمة لهما وذلّة الانكسار فوق ما يطلب منك، ادخل في مقام الإحسان.

"الحسن" (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) العنكبوت 8

إن المقابل"للحسن"هو"القبح"، إذن فالحق أدخلنا في مقام الجمال مرة، وفي مقام الإحسان مرة أخرى.

-وهنا أكثر من ملحظ يجب ألا يغيب عن بال المسلم، أولًا: نجد في الغالب أنّ الوالدين يربيان أبناءهما، ومن النادر أن يصبح الولد يتيمًا ... ويربيه غير والديه، فسبب الوجود: يوجب عليك أن تعطيهما حقوقهما وفوق حقوقهما وتدخل في مقام الإحسان، ولكنه جاء في آية وعلل ذلك فقال: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} الإسراء 24

لقد جاء الحق بالتربية حيثية في الدعاء لهما وفي البر التوصية بهما، لكن لو أن إنسانًا أخذ فيك منزلة التربية ولم يأخذ فيك سببية الإيجاد، أله حق عليك أن يكون كوالديك؟

إن الحق يقول: (كَمَا رَبَّيَانِي) ، فإذا كان والدي لهما هذا الحق، فكذلك من قام بتربيتي من غير الوالدين له هذا الحق أيضًا.

-وشيء آخر: وهو أن الحق سبحانه وتعالى حينما وصى بالوالدين إحسانا، جاء في الحيثيات بما يتعلق بالأم ولم يأت بما يتعلق بالأب (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا) الأحقاف 15

وهذا كلام رب؛ فالطفل بمجرد أن أدرك وجد أباه يعايشه ويربيه لكفاح الحياة، وكلما احتاج إلى شيء قالت له الأم: أبوك يحققه لك، فينسى حكاية أمه وحملها له في بطنها وأنها أرضعته وسهرت عليه؛ لأنه لم يكن عنده إدراك ساعة فعلت كل ذلك، فمن الذي - إذن - يحتاج إلى الحيثية؟ إنها الأم، أما حيثية إكرام الأب فموجودة للإنسان منذ بدء وعيه.

فكان لا بد من أن يذكرنا الله بالحيثية المتروكة والمستورة عند الإنسان مكتفيًا بالحيثية للأب الموجودة والواضحة عند الابن، ولذلك تجد النبي صلى الله عليه وسلم حينما يوصيّ قال: أمك ثم أمك ثم أمك، وبعد ذلك قال: ثم أبوك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت