فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 318

يكاد يبلغ من استفاضته ولما يعضده من أحاديث في معناه لحديث عبادة وحديث أبي هريرة وحديث أبي بكرة وغيرها حد التواتر المعنوي الذي لا يوجب العمل فحسب، وإنما يوجب العلم أيضا - نهى عن كل زيادة مهما تكن ضئيلة وتوضيحًا لهذا المعنى استعمل كلمة"شف".

وبما أنه لا سبيل إلى الغمز في هذا الحديث وفي أنه نص يجب اعتماده، وبما أن لفظه يمنع كل تأويل محتمل يخرج به عن دلالته اللغوية ولا توجد أية قرينة تسمح بالزعم بأنه تجوز به عن حقيقته اللغوية إلى معنى آخر، وبما أنه ورد في هذا الحديث وغيره ما يعضده من قوله صلى الله عليه وسلم: (( فمن زاد أو ازداد ) )، وقوله: (( فمن زاد أو استزاد فقد أربى ) )وفي هذا الحديث إطلاق الزيادة دون تحديدها بالكثرة أو القلة، فكان حديث: (( لا تشفوا بعضها ببعض ) )بمثابة البيان لحديث فمن زاد، فإن تحريم الزيادة مهما تكن بسيطة وارد بالنص الذي إن حاول البعض أن ينزل به عن درجة القطع الموجب للعلم فلا سبيل له إلى محاولة النزول به عن درجة الظن الراجح الموجب للعمل وكل زعم أو تأويل محتمل يراد به التشكيك في دلالة النص أو التماس مخرج منه فهو رفض له، وقد يبلغ درجة الكفر به ولا أقل من أنه تجاوز له عن عمد وسبق إصرار.

وأما الشبهة الثالثة فهي تعلق بعضهم بكلمة"الرماء"في قول عمر:"فإني أخاف عليكم الرماء"وبكلمة:"إنى أخاف عليكم"أيضًا، فزعموا أن تحريم التفاضل وهذا الزعم أيضًا ناشئ عن قصور أو تقصير في فهم العبارة التي تعلقوا بها، وعبارة: إني أخاف عليكم الرماء"وردت من كلام ابن عمر وقد سقنا طرقها في فصل"من أحكام اضطراب العملة في الحديث الشريف"وفي طريق حديث أبي سعيد:"فإني أخاف عليكم الربا"والحديث عن أحمد والطبراني في الكبير ولفظه عند أحمد (المسند، بتحقيق أحمد شاكر، المجلد 4، 8/ 141، ح 5885) :"

حدثنا حسين بن محمد، حدثنا خلف، يعني ابن خليفة، عن أبي جناب، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرماء ) )والرماء؛ هو الربا، فقام إليه رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس والنجبية بالإبل؟ قال: (( لا بأس إن كان يدًا بيد ) ).

وإذا صرفنا النظر عن تضعيفهم لأبي جنب، وقد أشار إليه شاكر في تعليقه على الحديث وتعقبه وقال عنه الهيثمي في (مجمع الزوائد: 4/ 1059) : وفيه أبو جنب الكلبي وهو مدلس ثقة، فإن لفظ الحديث نفسه لا يستقيم متعلقًا لهم وذلك أولًا: لأن كلمة الرماء لا نعرفها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في هذا الحديث والمعروف من حديث ابن عمر في هذا الشأن - وقد سقناه بطرق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت