"وإن شرب اشتف"، أي شرب جميع الإناء، والشفافة الفضلة التي تبقى في الإناء"."
ثم قال: ومنه حديث رد السلام قال: إنه تشافها أي استقصاها، وهو تفاعل منه وفي حديث عمر لا تلبسوا نساءكم القباطي إلا يشف، فإنه يصف يقال: شف الثوب يشف شفوفًا إذا بدى ما وراءه ولم يستره، أي أن القباطي ثياب رقاق ضعيفة النسج، فإذا لبستها المرأة لصقت بأردافها فوصفتها فنهى عن لبسها وأحب أن يكسين اتحاد الغلاظ، ومنه حديث عائشة وعليها ثوب يكاد يشف، ومنه حديث كعب يؤمر برجلين إلى الجنة، ففتحت الأبواب ورفعت الشفوف هي جمع شف بالكسر والفتح، وهو ضرب من الستور يستشف ما وراءه وقيل: شتر أحمر رقيق الصوف، وفي حديث الطفيل: في ليلة ذات ظلمة وشفاف؛ والشفاف جمع شفيف وهو نوع من البرد ويقال: لا يكون إلا برد ريح مع نداوة ويقال له الشفان أيضًا.
وقد أفاض ابن منظور في معاني كلمة شفف ومشتقاتها والاستشهاد لكل معنى كعادته إفاضة استغرقت قرابة أربع صفحات في (لسان العرب: 9/ 179 ن 183) : وجل ما ساقه وتبسط فيه أوجزه غيره ممن نقلنا عنهم آنفًا.
ويتضح من كل هذا أن مدار كلمة"شفف"- كما ذكرنا آنفًا - التعبير عن الرقة والقلة سواء كانت في مجال الزيادة أو النقص أو غيرهما.
وفيما يتصل بالربا بالذات يوضحه إيضاحًا لا خفاء معه قول ابن الأثير الذي سقناه آنفا"ويقال: شف الدرهم إذا زاد أو نقص"فزيادة الدرهم أو نقصه لا تكون إلا قليلة في كل مرة، ذلك بأن قوله: شف الدرهم هو من تعابير رجال المال في الأسواق ومن على شاكلتهم ممن يعنون بأسعار العملة والشفاف زيادة كان أو نقصًا لا يكون إلا تدريجيًّا، وقد يسرع في التدرج ولكن لا يتجاوز في المرة الواحدة أو في المرحلة الواحدة من تدرجه الانتقال بالقليل من سعر إلى سعر وإلا كان انقلابًا في الأسعار مما لم يكن معروفًا يومئذ ولا هو بالمعتاد الآن.
حاصل هذا كله أن النهي النبوي الشريف عن إشفاف بعض الدرهم أو الدينار ببعض وهو نهي صريح ونص دقيق حاسم في النهي - نهي تحريم لعدم وجود قرينة تصرفه إلى غير التحريم، بل ولأن القرائن كلها تحصره في التحريم - عن مطلق الزيادة ابتداء من البسيطة، لأن استعماله صلى الله عليه وسلم عبارة"شفف"ومشتقاتها كان مقصودًا لذاته لتحريم الزيادة البسيطة، أما ما فوق البسيطة فهو محرم بالطبع نتيجة لتحريم البسيطة، إذ لا يعقل أن تباح الزيادة الكثيرة وتحضر البسيطة، فثبت أنه صلى الله عليه وسلم نص في حديثه الذي رواه أبو سعيد - وهو وإن كان آحاديًّا