فهرس الكتاب

الصفحة 286 من 318

ففي حديث أبي سعيد الخدري الذي أوردنا طائفة صالحة من طرقه في فصل"أحكام اضطراب العملة في الحديث الشريف"وردت عبارة"ولا تشفوا بعضها على بعض"أو"ولا يشف بعضها على بعض"وما شاكل ذلك ومهما اختلفت الصيغة، فإن كلمة"شف"أو"أشف"وردت في هذا الحديث الشريف الذي رواه كل من عبد الرازق ومالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن حبان والطبري وابن الجارود والطحاوي من طريق نافع وبعضهم عنه، عن ابن عمر، عن أبي سعيد مباشرة - وهذا لا تغاير فيه، فقد صحب نافع أباه إلى أبي سعيد حين سمع الحديث منه كما جاء في بعض طرقه في الفصل المذكور آنفًا - وهو عند جلهم بأكثر من سند واحد.

بل إن عمر يستعمل نفس العبارة في خطاب له عن الربا فيما أخرج الشافعي والطبري والطحاوي عن طريق نافع، عن ابن عمر، وجلي أن عمر كان في هذا الخطاب وهو يحذر من الربا متعمدًا أن يستعمل لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن لم يرفعه وذلك على سبيل الاقتباس وأحسبه اكتفى عن رفعه بأن الصحابة الذين كانوا يستمعون إليه - رضوان الله عليهم جميعًا - بلغهم مباشرة أو بواسطة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى في اقتباسه تذكيرًا لهم به دون حاجة إلى الرفع أو الإسناد وهم يومئذ أعظم ثقة ببعضهم بعضًا من أن يحتاجوا إلى التصريح بالرفع، لا سيما إذا كان الراوي أو المقتبس أمير المؤمنين عمر.

والتعبير النبوي الشريف واقتباس عمر له بمادة"شف"، ومضارعها ثلاثيًّا أو رباعيًّا كان عن فقه دقيق لمعناها وقصد إليه بالذات، وهو من روائع البلاغة النبوية وآية ذلك ما ننقله الآن عن رجال اللغة من فقهاء وغيرهم مما يتصل بمعاني هذه الكلمة، وهي على تعددها لا تخرج من مدار واحد، وهو القلة والرقة وما إليهما.

قال النووي في (تهذيب الأسماء واللغات: 3/ 164، 165) :

"شففت"قال أهل اللغة: الشف بفتح الشين ستر رقيق، قال الجوهري: قال أبو نصر: هو ستر أحمر رقيق من صوف يستشف ما وراءه. الشف بكسرها، الفضل والربح تقول منه شف يشف شفًا بكسرها في المضارع والمصدر، قال ابن السكيت: والشف أيضًا نقصان وهو من الأضداد وشف عليه ثوبه يشف شفوفًا وشففًا، أي رق حتى يرى ما خلفه، وثوب شف وشف، أي رقيق وشف جسمه يشف شفوفًا، أي نحل وأشففت بعض ولدي على بعض فضلتهم، والشفيف لذيع البرد.

وقال عياض في (مشارق الأنوار: 2/ 256) :

(شفف) قوله: ألا يشف فإنه يصف بفتح الياء مشدد، أي بيدي ما وراءه من الجسم ويظهره لرقته -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت