فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 318

القائم، فإذا تغير هذا النظام - ويبدو أنه في سبيله إلى التغير - وأصبح نظامًا اشتراكيًّا رؤوس الأموال فيه بيد الدولة لا بيد الأفراد، عند ذلك يعاد النظر في تقدير الحاجة فقد لا تقوم الحاجة في ظل النظام الاشتراكي فيعود الربا إلى أصله من التحريم.

قلت: هذه الفتوى الحذرة بادية التحرج من السنهوري قائمة على أساس لا يمكن التسليم به، ويظهر أن تسليم السنهوري به مرده إلى أن علاقته بالفقه ليست أصيلة كعلاقته بالتشريع الوضعي.

ومدار الأساس الذي بنى عليه فتواه هذه المتحرجة هو:

1 -التسليم بعدم جدوى نظام القراض، وما شاكله من النظم الإسلامية في مواجهة حاجات من يعمل في الإنتاج - تجارة أو صناعة أو فلاحة - إلى رأس المال الذي ييسر له ما يبتغيه.

وهذا التسليم خطأ؛ لأن ما تراءى له من عجز هذه الأنظمة عن تلبية تلك الحاجات ليس مرده إلى عجز ذاتي فيها، وإنما مرده إلى انصراف الناس عن التعامل بها إما للجهل بمناهجها جهلا أدى بهم إلى الشك في جدواها، وإما لانعدام الثقة بين صاحب المال والراغب في العمل انعداما نتج عن افتقار الطرفين إلى الأخلاق الإسلامية السليمة التي تهيمن على مواجد المسلمين وتصرفاتهم هيمنة تجعل منها قوة متكاملة بحيث تطمئن المواجد إلى التصرفات وتكفل التصرفات أسباب الطمأنينة للمواجد، فليس النقص إذن في أنظمة الاستثمار في الإسلام وإنما النقص في التكوين النفسي للمنتسبين إلى الإسلام وهذا النقص لا يسوغ ما يريد السنهوري وأمثاله تسويغه من تحليل ما حرم الله بحجة الحاجة.

2 -قضية الظرفية التي اعتمدها السنهوري إذ علل فتواه بقيام نظام رآه لا يستجيب لمقتضيات تطبيق الأنظمة الإسلامية، وهي قضية غير مسلمة له أيضا فمن حيث جوهرها لا يجوز استعمال الظرفية التي يضعها الإنسان اختيارا كوسيلة لوقف العمل بنص قرآني أو سني أو للتمحل في تأويله، ونقول التي يضعها الإنسان اختيارا تحرزًا من التي تحدث له اضطرارًا بقضاء وقدر مثل عام المجاعة (الرمادة) الذي أوقف فيه عمر قطع يد السارق، فهذه ليست من صنع البشر وإنما كانت قدرًا أحسن عمر تقدير ملابساتها ونتائجها فتبين أن موجبات القطع، بل مواصفات السرقة غير متوفرة فيما حدث يومئذ فهو في واقع الأمر لم يوقف العمل بنص قرآني، وإنما أحسن فهمه وتصرف طبقا لما وقر في نفسه أنه الحدود الضابطة لأحكام النص وغير المتوفرة فيما حدث يومئذ.

وليس كذلك قيام وضع صنعه البشر وليس للقدر القاهر أي دخل في إقامته؛ إذ إن البشر الذين صنعوه يستطيعون تغييره، وإذا قيل: أنه من صنع قوة حاكمة متسلطة لا سبيل إلى إجبارها على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت