ثم قال السنهوري:
4 -وتبدأ الحاجة أن تكون حاجة شخصية ذاتية تقوم بفرد بالذات، ففي بيع العرايا تقوم الحاجة ببيع المشتري فهو يبتاع بتمره الجاف ما على رؤوس النخل من الرطب إذا كان هو بالذات في حاجة إلى الرطب، وهذا ما ورد النص الصريح بجوازه وأجمعت الفقهاء على صحته ويقاس عليه بيع الدنانير والدراهم المسكوكة بأكثر من وزنها ذهبًا أو فضة إذا احتاج التاجر أو غير التاجر خوفا من فوات السوق أو من فوات الرفقة، أي أن الحاجة هنا أيضا شخصية ذاتية وهذا ما قال به مالك على النحو الذي بيناه فيما تقدم.
قلت: سبق أن نقلنا قول مالك هذا في فصل"الأحكام المترتبة على اضطراب النقد وتغييره واختلافه من آثار أيمة السنة ومجتهديها"ونقلنا ارتياب أيمة الفقه المالكي مثل ابن عبد البر في نسبة هذا القول إلى مالك وإنكاره عليه إن ثبت على أننا لا ننكره على مالك، لكن ليس قبولنا على الأساس الذي يريده السنهوري وهو إباحة، بيع الذهب أو الفضة أو أي نوع من النقد بجنسه ونوعه متفاضلا للحاجة، بل لأننا نعلل القول المنسوب إلى مالك - رحمه الله - بأنه اعتبار الأجر الصناعة فهو أباح للمحتاج أن يدفع إلى الصائغ ذهبا غير مسكوك ويأخذ منه ذهبا مسكوكا بدل أن ينتظر سك ذهبه مخافة أن تفوته القافلة أو ما شكل ذلك، والقضية التي تبرز هنا هي هل يجوز دفع أجرة السك من نفس المادة التي يراد سكها، والجمهور حرم ذلك لحديث أبي سعيد وعبادة وغيرهم، ويفهم من كلام ابن القيم ومن نحا نحوه في اعتبار أجر الصناعة في المصوغ أنهم يقولون بجوازه وقد يكون لقولهم هذا وجه من الاعتبار لولا تضافر نصوص الحديث الصريحة بوجوب المراعاة الدقيقة للمثلية والعينية والوزن في النقدين، اللهم إلا إذا اعتبرنا ورود كلمة"مثل بمثل"مع"وزنًا بوزن وعينا بعين"يمكن أن تؤول المثلية فيها اعتبارًا للعطف الذي لا يعني التكرار بالمماثلة الشكلية، فيكون السك اعتبارًا لذلك مميزا للدينار أو الدرهم المسكوك عن غيره وتكون صنعة السك ملحوظة في المثلية، وهذا كل ما يمكن أن يتعلق به عند الأخذ برأي ابن القيم ومن نحا نحوه في مسألة بيع المصوغ بجنسه مع اعتبار أجرة الصنعة ونحن نكره ولا نحرمه.
ثم قال السنهوري:
ثم تنتهي الحاجة إلى تكون عامة شاملة لا تقوم بفرد بالذات دون غيره، بل تكون في طبيعة المعاملة نفسها فبيع المصوغ بأكثر من وزنه ذهبًا أو فضة دعت إليه حاجة العامة على أن تكون لصنعة الصياغة قيمة يقابلها شيء من الثمن، وإلا اندثرت هذه الصناعة مع قيام الحاجة إليها فما دامت هناك صياغة مباحة كخاتم الفضة وحلية النساء وما أبيح من حلية السلاح وغيرها والناس في حاجة