فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 318

المصارف والمنظمات المالية هل هي قروض إنتاج تباح فيها الفائدة المعقولة أو هي قروض استهلاك لا تجوز فيها الفائدة أصلًا؟ وهل نستطيع التمييز في كل حالة على حدة فنبيح هنا ونحرم هناك؟ ظاهر أن هذا التمييز متعذر، فلا بد إذن من أحد أمرين ما أن تباح الفائدة المعقولة في جميع القروض وإما أن تحرم في جميعها، وإذا فرضنا جدلا أنه يمكن تمييز قروض الإنتاج فإن تخريج الفائدة المعقولة في هذه القروض على فكرة الضرورة لا يستقيم، فالضرورة بالمعنى الشرعي ليست قائمة وإنما هي الحاجة لا الضرورة وينبغي التمييز بين الأمرين.

قلت: ثم إن هذه الشبهة الدواليبية أغفلت أمرين أحدهما أن قروض الإنتاج تؤدي آخر الأمر إلى قروض استهلاك؛ إذ السلع المنتجة إنما أنتجت لتستهلك فمصيرها آخر الأمر إلى الاستهلاك داخل الدولة أو خارجها ولو أبيحت الفائدة عليها كان المستهلك هو الذي يؤديها؛ لأنها تضاف إلى سعر التكلفة باعتبارها جزءا منها، ثم تضاف الأرباح إلى المجموع المستهلك إذن يؤدي هذه الفائدة وربحًا عليها للمقترض المنتج. أما الثاني فما سمي بقروض الإنتاج لا يختلف كثيرا عن ربا الجاهلية الذي لم يجادل أحد في تحريمه فمعظمه كان ديونًا يستدينها التجار من المدخرين على أن يردوها بفائدة عند عودتهم من الرحلة التجارية وقد لا يربح التاجر المستدين فيؤجل ويزيد تماما كما تفعل المصارف والمؤسسات المالية وبعض الدول أيضا بالمقترض المنتج إذا عجز عن الأداء في الأجل لكن الشبهة الدواليبية أغفلت ذلك لسنا ندري أعن غفلة أم عن عمد وسبق إصرار.

ثم قال السنهوري - رحمه الله:

لا نشك في أن الواجب في كل العصور وفي جميع الحضارات أن يحرم الربا كمبدأ عام، وقد تضافر القرآن الكريم والحديث الشريف على تقرير تحريم الربا كأصل عام من أصول التشريع الإسلامي. والفقه الإسلامي يحرم الربا ويرمي من وراء تطبيقه إلى تحقيق أغراض سامية جليلة ثم نقل نصوصًا عن ابن القيم وابن رشد كنا نقلناها سابقًا.

ثم قال:

يتبين مما قدمناه من النصوص أن هناك أغراضا ثلاثة يقصد إلى تحقيقها من وراء تحريم الربا: (أولا) منع احتكار أقوات الناس، (ثانيا) منع التلاعب في العملة حتى لا تتقلب أسعارها وحتى لا تصبح هي ذاتها سلعة من السلع، (ثالثا) منع الغبن والاستغلال عند التعامل في الجنس الواحد؛ لأن التفاضل في الكم لا يمكن حسابه بدقة تواجه التفاضل في الكيف، فلا بد من وقوع الغبن على أحد المتبايعين، ومن ثم قال: النبي صلى الله عليه وسلم لمن باع التمر صاعين بصاع ذلك من الربا ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت