على أننا نلاحظ أن الأستاذ دراز من جهة أخرى يسلم بأن هناك صورًا من الربا إنما حرمت سدًّا للذرائع، فتحريمها تحريم للوسائل لا للمقاصد فهو يقول (ص 15) :"ولذلك نجده (أي المشرع) مع ترخيصه لهما بتفاوت البدلين في الكم يحظر عليهما تأجيل أحد العوضين سدًّا للطريق أمام فكرة القرض المحرم تحت ستار البيع".
ثم يقول (ص 17) :"وواضح أن تسمية الربح المجتلب من طريق هذا التبادل الذي تنقصه الصراحة والأمانة باسم الربا إنما هي تسمية مجازية قصد منها إلى إبراز ما فيه من مخالفة قانون الأخلاق ومجافاة لقواعد الرحمة الإنسانية وذلك بتشبيه بالربا الحقيقي الذي هو مثل من السحت وأكل المال بالباطل"إذن هنالك ربا حقيقي هو مقل في السحت وأكل المال بالباطل وهنالك ربًا مجازي سمي ربا لإبراز ما فيه من مخالفة لقانون الأخلاق ومجافاة لقواعد الرحمة الإنسانية وذلك بتشبيه بالبربا الحقيقي أليس الربا الحقيقي والربا المجازي في لغة الأستاذ دراز هو الربا الجلي والربا الخفي في لغة ابن القيم، بل إننا نرى الأستاذ دراز يساير ابن القيم فيما ذهب إليه من جواز بيع المصوغات الذهبية بأكثر من وزنها ذهبا فهو يقول (ص 61) :"فإذا صح ما ذهبنا إليه في تفهم مقاصد الشريعة من هذا الحكم لم يبق حرج قط - كما أوضحه ابن القيم في"أعلام الموقعين"- في أن تباع المصوغات الذهبية بأكثر من وزنها ذهبًا أو المصوغات الفضية بأكثر من وزنها فضة ذلك لأن قيمة الصنعة قد قدرت هنا بمعيارها الواضح الذي لا يدع مجالا لتزييف تراضي المتابعين"فهل يميز الأستاذ دراز في الحكم بين الربا الحقيقة والربا المجازي كما ميز ابن القيم في الحكم بين الربا الجلي والربا الخفي وهل هو يقر ابن القيم على أن الربا الحقيقي لا يجوز إلا للضرورة الملحة وأما الربا المجازي فيجوز لمجرد الحاجة؟ وهل أباح الأستاذ دراز كما أباح ابن القيم أن تباع المصوغات الذهبية بأكثر من وزنها ذهبًا لقيام الحاجة دون أن تقوم الضرورة؟ لا نظن ذلك فإن الأستاذ دراز يعلل الأمر في المصوغات الذهبية بأن للصنعة قيمة يقابلها شيء من الثمن فهو لا يتكلم هنا لا عن الضرورة ولا عن الحاجة ثم إن تمييزه بين الربا الحقيقي والربا المجازي لا يريد من ورائه تمييزا في الحكم بل مجرد البيان والإيضاح وإلا فهو قد جمع بين صور الربا كلها في حكم واحد وهو التحريم القطعي ولم يجز الربا في أية صورة إلا للضرورة الملحة ثم هو يريد من الناس أن تترفق قبل القول بقيام هذه الضرورة.
ويستند الأستاذ دراز في تقرير رأيه إلى الاعتبار الاقتصادي ويشير إلى ضرورة أن يتقاسم رأس المال والعمل الربح والخسارة كما هو في المضاربة أو القرض ولكن في نظام اقتصادي يقوم على رأس