فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 318

قلت: لكن هذه الضرورة لا يخلو إما أن تكون فردية أو جماعية، فإن كانت فردية حالة خاصة بفرد أو أفراد وهي لا تكون إلا مسغبة قاتلة أو تشردًا يعرض صاحبه أو أصحابه للفناء بالحر، أو القر أو عريًا، كذلك وإذن فليس للفرد أو الأفراد في هذه الحال وقت للمساومة ولا جهد له بحيث يتم الاتفاق على نوع من الربا بل إن ربا الجاهلية هذا بزعمهم إنما يكون بعد حلول الأجل الأول وعجز المدين عن الوفاء، ولسنا ندري كيف يستقيم هذا الوضع مع وضع الضرورة التي أبيح فيها أكل الميتة ولحم الخنزير على أن الشرع في هذه الحال أباح للمضطر أن يقاتل من منعه الوقوع عليها حتى وإن أدى الأمر إلى قتله فكيف بأن ينتزعها منه، وإن بحيلة الربا بادي الأمر ثم لا يؤدي له إلا بحقه بغير زيادة.

وإن كانت جماعية وهي في عصرنا تتمثل في حال الدولة تضطر إلى الاستدانة من دولة أخرى، أو من مؤسسات مالية متخصصة وإذن فما هي درجة هذا الاضطرار، وما الذي أدى إليه، وما هي المبالغ التي تدفعها؟ أسئلة لا يجوز إصدار حكم دون الإجابة عنها؛ لأن بدون الإجابة عنها لا يقوم دليل الاضطرار.

ولا نستطيع أن نتصور دولة - مهما تبلغ من الفقر - تكون من الاضطرار للحفاظ على وجودها في درجة لا تجد مناصًا من الالتجاء إلى الربا ذلك بأن قيام الدولة لا يتأتى إلا بشعب وأرض والعوامل التي تدفع الدولة إلى الفقر، إما أن تكون طبيعية كالقحط المتصل في الدولة الفلاحية، وإما أن تكون مصطنعة كسوء الإدارة المالية والتبذير في النفقات ومحاولة التشبه بالدول الغنية ذاتيًّا أو بواسطة الربا.

وهذه الحالة الثانية لا يعتبرها الشرع ضرورة تبيح المحظور بل يأمر الشرع فيها بعقوبة المسؤولين عنها والعودة بالتسيير المالي والإداري إلى النهج الذي يضمن اكتفاء الدولة بمواردها الذاتية أو بموارد أخرى غير ربوية كالمساعدات الأجنبية والقروض على أساس شرعي كالمضاربة والسلم وما إليهما.

أما الحالة الأولى فلا نتصور وقوعها بيسر اعتبارًا للعرف الدولي الراهن فمشارع الإغاثة الدولية وطرقها ترفع حالة الاضطرار الذي يلجئ الدولة المنكوبة إلى محاولة دفع المسغبة عن شعبها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت