إحسان إليه.
ثم قال (ص 136) :
وأما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع، كما صرح به حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم (( لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، فإني أخاف عليكن الرماء، والرماء هو الربا ) ) (1) فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة وذلك أنهم إذا باعوا درهمًا بدرهمين - ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين إما في الجودة، وإما في السكة، وإما في الثقل والخفة وغير ذلك -تدرجوا بالربح المعجل فيها من الربح المؤخر وهو عين ربا النسيئة وهذه ذريعة قريبة جدًّا، فمن حكمة التشريع أن سد عليهم هذه الذريعة ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقدًا أو نسيئة فهذه حكمة معقولة مطابقة للعقول وهي تسد عليهم باب المفسدة.
فإذا تبين هذا فنقول: الشارع نص على تحريم ربا الفضل في ستة أعيان وهي: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح. فاتفق الناس على تحريم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس وتنازعوا فيما عداها فطائفة قصرت التحريم عليها وأقدم من يروي هذا عنه قتادة، وهو مذهب أهل الظاهر واختيار ابن عقيل في آخر مصنفاته مع قوله بالقياس، قال: لأن علل القياسيين في مسألة الربا علل ضعيفة وإذا لم تظهر علة امتنع القياس، وطائفة حرمته في كل مكيل وموزون بجنسه، وهذا مذهب عمار وأحمد في ظاهر مذهبه وأبي حنيفة، وطائفة خصته بالطعام إذا كان مكيلًا أو موزونًا وهو قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد، وطائفة خصته بالطعام إذا كان مكيلًا أو موزونًا، وهو قول سعيد بن المسيب، ورواية عن أحمد وقول الشافعي، وطائفة خصته بالقوت وما يصلحه وهو قول مالك وهو أرجح هذه الأقوال كما ستراه.
وأما الدراهم والدنانير فقالت طائفة: العلة فيهما كونهما موزونين، وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه، ومذهب أبي حنيفة وطائفة، قالت: العلة فيهما الثمنية، وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى، وهذا هو الصحيح بل الصواب، فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما، فلو كان الحديد والنحاس ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدًا فإن ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النساء والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها.
وأيضًا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة فهو طرد محض بخلاف التعليل بالثمنية، فإن الدراهم والدنانير أثمان للمبيعات والثمن هو المعيار الذي يعرف به تقوم الأموال فيجب أن يكون محدودًا