وقال الماوردي - الأحكام السلطانية: (ص 153 - 154) في معرض شرحه لما يتصل بالجزية وأحكامها:
وأما الدرهم فيحتاج إلى معرفة وزنه ونقده، فأما وزنه فقد استقر الأمر في الإسلام على أن وزن الدرهم ستة دوانيق ووزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، واختلف في سبب استقراره على هذا الوزن، فذكر قوم أن الدراهم كانت في أيام الفرس مضروبة على ثلاثة أوزان، منها درهم على وزن مثقال عشرون قيراطًا، ودرهم وزنه اثنا عشر قيراطًا ودرهم وزنه عشرة قراريط فلما احتيج في الإسلام إلى تقديره في الزكاة أخذ الوسط من جميع الأوزان الثلاثة وهو اثنان وأربعون قيراطًا فكان أربعة عشر من قراريط المثقال فلما ضربت الدراهم الإسلامية على الوسط من هذه الأوزان الثلاثة قيل في عشرتها وزن سبعة مثاقيل لأنها كذلك، وذكر آخرون أن السبب في ذلك أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما رأى اختلاف الدراهم وأن منها البغلي وهو ثمانية دوانق، ومنها الطبري وهو أربعة دوانق ومنها المغربي وهو ثلاثة دوانق ومنها اليمني وهو دانق، قال: انظروا الأغلب مما يتعامل به الناس من أعلاها وأدناها فكان الدرهم البغلي والدرهم الطبري فجمع بينهما فكانا اثني عشر دانقًا فأخذ نصفها فكان ستة دوانق فجعل الدرهم الإسلامي في ستة دوانق ومتى زدت عليه ثلاثة أسباعه كان مثقالًا ومتى نقصت من المثقال ثلاثة أعشاره كان درهمًا فكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل وكل عشرة مثاقيل أربعة عشر درهمًا وسبعان.
فأما النقص فمن خالص الفضة وليس للمغشوشة مدخل في حكمه.
وقد كان الفرس عند فساد أمرهم فسدت نقودهم فجاء الإسلام ونقودهم من العين والورق والذهب غير خالصة إلا أنها كانت تقوم في المعاملات مقام الخالصة وكان غشها عفوًا لعدم تأثيره بينهم إلى أن ضربت الدراهم الإسلامية فتميز المغشوش من الخالص.
واختلف في أول من ضربها في الإسلام فقال سعيد بن المسيب: إن أول من ضرب الدراهم المنقوشة عبد الملك بن مروان، وكانت الدنانير ترد رومية والدراهم ترد كسروية وسميرية قليلة، قال أبو الزناد: فأمر عبد الملك بن مروان الحجاج أن يضرب الدراهم بالعراق فضربها سنة أربع وسبعين وقال المدائني: بل ضربها الحجاج آخر سنة خمس وسبعين ثم أمر بضربها في النواحي سنة ست وسبعين وقيل إن الحجاج خلصها تخليصًا لم يستقصه وكتب عليها (الله أحد الله الصمد) وسميت مكروهة واختلف في تسميتها بذلك فقال قوم لأن الفقهاء كرهوها لما عليها من القرآن وقد يحملها الجنب والمحدث، وقال الآخرون: لأن الأعاجم كرهوا نقصانها فمسيت مكروهة ثم ولي بعد الحجاج