الفلسين يبقى بغير شيء لما كانت أمثالًا متساوية بصفة الرواج، فيكون ذلك ربا وإذا كان كل واحد منهما بعينه فكأن المتعاقدين أعرضا عن الاصطلاح على كونها أمثالًا متساوية ولهذا يتعين بالتعيين فتصير أمثالًا متقاربة كالجوز والبيض.
إذا عرفنا هذا فنقول: الشرع هنا نص على اشتراط المماثلة في هذه الأموال - يعنى أموال الربا- فعرفنا أنها أمثال متساوية، وإنما تكون أمثالًا متساوية بالجنس والقدر؛ لأن كل حادث في الدنيا موجود بصورته ومعناه فإذا بطلت المماثلة من هذين الوجهين والمماثلة صورة باعتبار القدر؛ لأن المعيار في هذا المقدار كالطول والعرض، والمماثلة معنى باعتبار الجنسية ولكن هذه المماثلة لا تكون قطعًا إلا بشرط قيمة الجودة منها الجواز أن يكون أحدهما أجود من الآخر وإذا سقطت قيمة الجودة منها صارت أمثالًا متساوية قطعًا ... إلخ.
ثم قال (نفس المرجع: 14/ 24) :
وإذا اشترى الرجل فلوسًا بدراهم وعقد الثمن ولم تكن الفلوس عند البائع، فالبيع جائز؛ لأن الفلوس الرائجة ثمن كالنقود، وقد بينا أن حكم العقد في الثمن وجوبها ووجودها معًا ولا يشترط قيامها في ملك بائعها لصحة العقد كما لا يشترط ذك في الدراهم والدنانير.
وإن استقرض الفلوس من رجل ودفع إليه قبل الافتراق أو بعده فهو جائز إذا كانا قد قبضا الدراهم في المجلس؛ لأنهما قد اقترقا عن عين بدين وذلك جائز في عين الصرف وإنما يجب التقابض في الصرف بمقتضى اسم العقد وبيع الفلوس بالدراهم ليس بصرف وكذلك لو افترقا بعد قبض الفلوس، قبل قبض الدراهم.
وعلى ما ذكر ابن شجاع، عن زفر - رحمهما الله - لا يجوز هذا العقد أصلًا؛ لأن من أصل زفر، أن الفلوس الرائجة بمنزلة المكيل والموزون تتعين في العقد إذا عينت وإذا كان بغير عينها فإن لم يصحبها حرف الباء لا يجوز العقد؛ لأنه بيع ما ليس عند الإنسان، وإن صحبه حرف الباء وبمقابلها عوض يجوز العقد لأنها ثمن، وإن كان بمقابلها النقد لا يجوز العقد؛ لأنها تكون مبيعة إذا قابلها ما لا يكون إلا ثمنًا عندنا.
فالفلوس الرائجة بمنزلة الأثمان لاصطلاح الناس على كونها ثمنًا للأشياء فإنما يتعلق العقد بالقدر المسمى منها في الذمة ويكون ثمنًا عين أو لم يعين كما أن الدراهم والدنانير إن لم يتقابضا حتى افترقا بطل العقد؛ لأنه دين بدين، والدين لا يكون عقدًا بعد الافتراق.