فهرس الكتاب

الصفحة 5112 من 5637

الكامل.

لَمَّا قُتِلَ أُسْتَاذُهُ الْمُعِزُّ قَامَ فِي تَوْلِيَةِ ولده نور الدين المنصور عَلِيٍّ، فَلَمَّا سَمِعَ بِأَمْرِ التَّتَارِ خَافَ أَنْ تختلف الكلمة لصغر ابْنِ أُسْتَاذِهِ فَعَزَلَهُ وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، فَبُويِعَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ كما تقدم، ثم سار إلى التتار فَجَعَلَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ نُصْرَةَ الْإِسْلَامِ كَمَا ذكرنا، وقد كان شجاعًا بطلًا كثير الخير ناصحًا للإسلام وأهله، وكان الناس يحبونه ويدعون له كثيرًا.

ذكر عنه أنه لما كان يوم المعركة بعين جَالُوتَ قُتِلَ جَوَادُهُ وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا فِي السَّاعة الرَّاهنة مِنَ الْوَشَاقِيَّةِ الَّذِينَ مَعَهُمُ الْجَنَائِبُ، فترجل وبقي واقفًا على الأرض ثابتًا، والقتال عمال في المعركة، وهو في موضع

السلطان مِنَ الْقَلْبِ، فَلَمَّا رَآهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ تَرَجَّلَ عن فرسه وحلف على السلطان ليركبنها فامتنع وقال لذلك الأمير: مَا كُنْتُ لِأَحْرِمَ الْمُسْلِمِينَ نَفْعَكَ.

وَلَمْ يَزَلْ كذلك حتى جاءته الوشاقية بالخيل فَرَكِبَ، فَلَامَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ وَقَالَ: يَا خُونْدُ لم لا ركبت فرس فلان؟ فلو أن بعض الأعداء رآك لَقَتَلَكَ وَهَلَكَ الْإِسْلَامُ بِسَبَبِكَ، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَرُوحُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلَهُ رَبٌّ لَا يُضَيِّعُهُ، قَدْ قُتِلَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وفلان حتى عد خلقا من الملوك، فأقام للإسلام من يحفظه غيرهم، ولم يضيع الإسلام.

رحمه الله وكان حين سار من مصر فِي خِدْمَتِهِ خَلْقٌ مِنْ كِبَارِ الْأُمَرَاءِ الْبَحْرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَمَعَهُ الْمَنْصُورُ صَاحِبُ حَمَاةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ.

فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِ حَمَاةَ يَقُولُ له لا تتعني في مد سِمَاطٍ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَلْيَكُنْ مَعَ الْجُنْدِيِّ لحمة يَأْكُلُهَا، وَالْعَجَلَ الْعَجَلَ، وَكَانَ اجْتِمَاعُهُ مَعَ عَدُوِّهِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ يوم الجمعة، وَهَذِهِ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإِنَّ وَقْعَةَ بَدْرٍ كَانَتْ يوم الجمعة في رمضان، وكان فيها نصر الإسلام.

وَلَمَّا قَدِمَ دِمَشْقَ فِي شَوَّالٍ أَقَامَ بِهَا العدل ورتب الأمور، وأرسل بيبرس خَلْفَ التَّتَارِ لِيُخْرِجَهُمْ وَيَطْرُدَهُمْ عَنْ حَلْبَ، وَوَعْدَهُ بنيابتها فلم يف له لما رآه من المصلحة (1) ، فَوَقَعَتِ الْوَحْشَةُ بَيْنَهُمَا بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَلَمَّا عَادَ إلى مصر تمالا عليه الأمراء مع بيبرس فقتلوه بين القرابي وَالصَّالِحِيَّةِ (2) وَدُفِنَ بِالْقَصْرِ، وَكَانَ قَبْرُهُ يُزَارُ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ الظَّاهِرُ مِنِ الْمُلْكِ بَعَثَ إِلَى قَبْرِهِ فغيبه عن الناس، وكان لا يعرف بعد ذلك، قتل يَوْمَ السَّبت سَادِسَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ رحمه الله.

وَحَكَى الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ الْيُونِينِيُّ فِي الذَّيْلِ عَلَى الْمِرْآةِ عَنِ الشَّيْخِ عَلَاءِ الدِّينِ بْنِ غَانِمٍ عَنِ الْمَوْلَى تَاجِ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنِ الْأَثِيرِ كَاتِبِ السِّرِّ فِي أَيَّامِ النَّاصِرِ صَاحِبِ دمشق، قال: لما كنا مع الناصر بوطاه برزه جاءت البريدية بخبر أن قطز قد تولى الملك بمصر، فقرأت ذلك على السلطان، فقال:

(1) تقدم أنه فوض نيابة حلب إلى الملك السعيد بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وبعد أن استقر السعيد في نيابة حلب سار سيرة رديئة وكان دأبه التحيل على أخذ مال الرعية.

وفي الروض الزاهر ص 67: ان الملك صار يظهر تكبرا وتغيرت نيته وفهم السلطان منه ذلك وطلب السلطان أن يفعل في الجهاد شيئا يشكره الله والناس عليه والملك المظفر يمنعه لئلا ينفرد السلطان بالذكر الحسن دونه (وانظر السلوك 1 / 435 والنجوم 7 / 82، 101) .

(2) الصالحية: قرية بناها الصالح أيوب لجنده في منطقة السانح على طرف المنطقة الرملية في الطريق بين مصر والشام (السلوك 1 / 330) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت