فهرس الكتاب

الصفحة 4834 من 5637

كثيرًا وجمًا غفيرًا، وهجموا مرة على مخيم السلطان بغتة فنهبوا بعض الأمتعة، فنهض الْمَلِكُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرٍ - وَكَانَ رَأْسَ الْمَيْمَنَةِ - فَرَكِبَ، فِي أَصْحَابِهِ وَأَمْهَلَ الْفِرِنْجَ حَتَّى تَوَغَّلُوا بَيْنَ الْخِيَامِ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ بِالرِّمَاحِ وَالْحُسَامِ، فهربوا بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا زَالَ يَقْتُلُ مِنْهُمْ جَمَاعَةً بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة، حتى كسوا وَجْهَ الْأَرْضِ مِنْهُمْ حُلَلًا أَزْهَى مِنَ الرِّيَاضِ الباسمة، وأحب إلى النفوس من الخدود الناعمة، وأقل ما قيل إنه قتل منهم خمسة آلاف، وزعم العماد أَنَّهُ قَتَلَ مِنْهُمْ فِيمَا بَيْنُ الظُّهْرِ إِلَى العصر عشرة آلاف والله أعلم.

هَذَا وَطَرَفُ الْمَيْسَرَةِ لَمْ يَشْعُرْ بِمَا جَرَى ولا درى، بل نائمون وقت القائلة في خيامهم، وكان الذين ساقوا وراءهم أَقَلَّ مِنْ أَلْفٍ، وَإِنَّمَا قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عشرة أو دونهم، وهذه نعمة عظيمة، وقد أوهن هذا جيش الفرنج وأضعفهم، وَكَادُوا يَطْلُبُونَ الصُّلْحَ وَيَنْصَرِفُونَ عَنِ الْبَلَدِ، فَاتَّفَقَ قدوم مدد عظيم إليهم في البحر من ملك يقال له كيد هرى (1) ، ومعه أموال كثيرة فأنفق فيهم وغرم عليهم وأمرهم أن يبرزوا معه لقتال المسلمين، وَنَصَبَ عَلَى عَكَّا مَنْجَنِيقَيْنِ، غَرِمَ عَلَى كُلِّ واحد منهما ألفًا وخمسمائة دينار، فأحرقهما المسلمون من داخل الْبَلَدِ، وَجَاءَتْ كُتُبُ صَاحِبِ الرُّوم مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ يعتذر لصلاح الدِّينِ مِنْ جِهَةِ مَلِكِ الْأَلْمَانِ، وَأَنَّهُ لَمْ يتجاوز بلده باختياره، وأنه تجاوزه لكثرة جنوده، ولكن ليبشر السُّلْطَانَ بِأَنَّ اللَّهَ سَيُهْلِكُهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وكذلك وقع، وأرسل إلى السلطان يخبره بأنه يقيم للمسلمين عنده جمعة وخطبًا، فأرسل السلطان مع رسله خطيبًا ومنبرًا، وكان يَوْمُ دُخُولِهِمْ إِلَيْهِ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَمَشْهَدًا مَحْمُودًا، فأقيمت الخطبة بالقسطنطينية، وَدَعَا لِلْخَلِيفَةِ الْعَبَّاسِيِّ، وَاجْتَمَعَ فِيهَا مَنْ هُنَاكَ من المسلمين من التجار والمسلمين الأسرى والمسافرين إليها وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

فَصْلٌ

وَكَتَبَ مُتَوَلِّي عَكَّا مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ وَهُوَ الْأَمِيرُ بَهَاءُ الدِّينِ قَرَاقُوشُ، فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَعْبَانَ إلى السطان: إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ مِنَ الْأَقْوَاتِ إِلَّا مَا يُبَلِّغُهُمْ إِلَى لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى السُّلْطَانِ أسرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ، خوفًا من إشاعة ذلك فيبلغ العدو فيقدموا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَتَضْعُفَ الْقُلُوبُ، وَكَانَ قَدْ كَتَبَ إِلَى أَمِيرِ الْأُسْطُولِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ أَنْ يَقَدَمَ بِالْمِيرَةِ إِلَى عَكَّا، فَتَأَخَّرَ سَيْرُهُ، ثُمَّ وَصَلَتْ ثلاث بطش (2) لَيْلَةَ النِّصْفِ، فِيهَا مِنَ الْمِيرَةِ مَا يَكْفِي أهل البلد طول الشتاء، وهي صحبة الْحَاجِبِ لُؤْلُؤٍ، فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْبَلَدِ نَهَضَ إِلَيْهَا أُسْطُولُ الْفِرِنْجِ لِيَحُولَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَلَدِ، وَيُتْلِفَ مَا فِيهَا، فَاقْتَتَلُوا فِي الْبَحْرِ قِتَالًا شديدًا، والمسلمون في البر يبتهلون إلى الله عزوجل فِي سَلَامَتِهَا، وَالْفِرِنْجُ أَيْضًا تَصْرُخُ بَرًّا وَبَحْرًا، وقد ارتفع

(1) في الكامل وابن خلدون: كندهري ; وهو ابن أخي افرنسيس لابيه، وابن أخي ملك انكلتار لامه.

(2) في الكامل: بطس جمع بطسة.

وهي المركب، والسفينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت