فهرس الكتاب

الصفحة 4436 من 5637

اغلظ الكلام، فنبرمت منه، وعملت على قتله، فراسلت أكبر الامراء، أمير يقال له ابن داوس، فتوافقت هي وهو على قتله ودماره، وَتَوَاطَآ عَلَى ذَلِكَ، فَجَهَّزَ مِنْ عِنْدِهِ عَبْدَيْنِ، أسودين شهمين، وقال لهما: إذا كانت الليلة الفلانية فكونا في جبل الْمُقَطَّمِ، فَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يَكُونُ الْحَاكِمُ هُنَاكَ فِي اللَّيْلِ لِيَنْظُرَ فِي النُّجُومِ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ إِلَّا رِكَابِيٌّ وَصَبِيٌّ، فَاقْتُلَاهُ وَاقْتُلَاهُمَا مَعَهُ، واتفق الحال على ذلك.

فَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ اللَّيلة قَالَ الْحَاكِمُ لِأُمِّهِ: عَلَيَّ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ قَطْعٌ عَظِيمٌ، فَإِنْ نَجَوْتُ مِنْهُ عَمَّرْتُ نَحْوًا مِنْ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَمَعَ هَذَا فَانْقُلِي حَوَاصِلِي إِلَيْكِ، فَإِنَّ أَخْوَفَ ما أخاف عليك من أختي، وأخوف ما أخاف على نفسي منها، فَنَقَلَ حَوَاصِلَهُ إِلَى أُمِّهِ، وَكَانَ لَهُ فِي صناديق قريب من ثلثمائة ألف دينار، وجواهر أخر.

فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: يَا مَوْلَانَا إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ فَارْحَمْنِي وَلَا تَرْكَبْ فِي لَيْلَتِكَ هَذِهِ إِلَى مَوْضِعٍ وَكَانَ يُحِبُّهَا.

فَقَالَ: أَفْعَلُ، وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَدُورَ حَوْلَ الْقَصْرِ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَدَارَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْقَصْرِ، فَنَامَ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ، فَاسْتَيْقَظَ وَقَالَ: إِنْ لَمْ أَرْكَبِ اللَّيْلَةَ، فاضت نفسي، فثار فركب فرسًا وصحبه صبي وركابي، وَصَعِدَ الْجَبَلَ الْمُقَطَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ ذَانِكَ الْعَبْدَانِ فَأَنْزَلَاهُ عن مركوبه، وقطعا يديه ورجليه، وبقرا بطنه، فَأَتَيَا بِهِ مَوْلَاهُمَا ابْنَ دَوَّاسٍ، فَحَمَلَهُ إِلَى أُخْتِهِ فَدَفَنَتْهُ فِي مَجْلِسِ دَارِهَا، وَاسْتَدْعَتِ الْأُمَرَاءَ والأكابر والوزير وقد أطلعته على الجلية، فبايعوا لِوَلَدِ الْحَاكِمِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيٍّ، وَلُقِّبَ بِالظَّاهِرِ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ، وَكَانَ بِدِمَشْقَ، فَاسْتَدْعَتْ بِهِ وَجَعَلَتْ تَقُولُ لِلنَّاسِ: إِنَّ الْحَاكِمَ قَالَ لِي: إن يغيب عنكم سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يَعُودُ، فَاطْمَأَنَّ النَّاسُ، وَجَعَلَتْ ترسل ركابيين إلى الجبل فيصعدونه، ثم يرجعون فيقولون تركناه في الموضع الفلاني، ويقول الذين

بعدهم لأمه: تركناه في موضع كذا وكذا.

حتى اطمأن الناس وقدم ابن أخيها واستصحب معه من دمشق أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَحِينَ وصل ألبسته تاج جد أبيه المعز، وَحُلَّةً عَظِيمَةً، وَأَجْلَسَتْهُ عَلَى السَّرِيرِ، وَبَايَعَهُ الْأُمَرَاءُ والرؤساء، وأطلق لهم الأموال، وَخَلَعَتْ عَلَى ابْنِ دَوَّاسٍ خِلْعَةً سَنِيَّةً هَائِلَةً، وَعَمِلَتْ عَزَاءَ أَخِيهَا الْحَاكِمِ ثَلَاثَةَ أيَّام، ثمَّ أَرْسَلَتْ إِلَى ابْنِ دَوَّاسٍ طَائِفَةً مِنَ الْجُنْدِ لِيَكُونُوا بَيْنَ يَدَيْهِ بِسُيُوفِهِمْ وُقُوفًا فِي خِدْمَتِهِ، ثم يقولوا له في بعض الأيام: أَنْتَ قَاتِلُ مَوْلَانَا، ثُمَّ يَهْبُرُونَهُ بِسُيُوفِهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَقَتَلَتْ كُلَّ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى سِرِّهَا فِي قَتْلِ أَخِيهَا، فَعَظُمَتْ هَيْبَتُهَا وَقَوِيَتْ حُرْمَتُهَا وثبتت دولتها.

وقد كان عمر الحاكم يوم قتل سبعًا (1) وثلاثين سنة، ومدة ملكه من ذلك خمسًا وعشرين سنة (2) .

ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وأربعمائة فِيهَا تَوَلَّى الْقَاضِي أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ محمد السمناني لحسبة والمواريث ببغداد، وخلع عليه

(1) في الكامل 9 / 316 ستا وفي مختصر أخبار البشر 2 / 151: ستًا وثلاثين سنة وتسعة أشهر.

(2) في الكامل 9 / 316: وعشرين يوما.

وفي مختصر أخبار البشر 2 / 151: وأياما (*)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت