وَالْحَاجَةِ الْأَكِيدَةِ * وَكَأَنَّ بَعْضَ هَذَا السِّيَاقِ مُتَلَقًّى من الإسرائيليات ومطرز بشئ مِنَ الْمَرْفُوعَاتِ وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ قِصَّةُ الذَّبِيحِ وقد دللنا (1) على أن الذبيح هو إسمعيل عَلَى الصَّحِيحِ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ.
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ.
فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ.
وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ.
وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ.
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ.
سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ.
كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين.
وبشرناه باسحق نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ.
وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى اسحق وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ) [الصافات: 113] .
يذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه سأل ربه أن يهب له ولدًا صالحًا فبشره الله تعالى بغلام حليم وهو إسماعيل عليه السلام لأنه أول من ولد له على رأس ست وثمانين سنة من عمر الخليل.
وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الملل لأنه أول ولده وبكره وقوله (فلما بلغ معه السَّعْيَ) أَيْ شَبَّ وَصَارَ يَسْعَى فِي مَصَالِحِهِ كَأَبِيهِ قال مجاهد (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) أَيْ شَبَّ وَارْتَحَلَ وَأَطَاقَ مَا يَفْعَلُهُ أَبُوهُ من السعي والعمل.
فلما كان هذا رئى إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِذَبْحِ وَلَدِهِ * هَذَا.
وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا"رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ" (2) * قَالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ أَيْضًا وَهَذَا اخْتِبَارٌ مِنَ اللَّهِ عزوجل لِخَلِيلِهِ فِي أَنْ
يَذْبَحَ هَذَا الْوَلَدَ الْعَزِيزَ الَّذِي جَاءَهُ عَلَى كِبَرٍ وَقَدْ طَعَنَ فِي السن بعدما أُمِرَ بِأَنْ يُسْكِنَهُ هُوَ وَأُمَّهُ فِي بِلَادٍ قَفْرٍ وَوَادٍ لَيْسَ بِهِ حَسِيسٌ وَلَا أَنِيسٌ وَلَا زَرْعٌ وَلَا ضَرْعٌ فَامْتَثَلَ أَمْرَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ وَتَرَكَهُمَا هُنَاكَ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمَا فَرَجًا وَمَخْرَجًا وَرَزَقَهُمَا مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبَانِ.
ثُمَّ لَمَّا أُمِرَ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ بِذَبْحِ وَلَدِهِ هَذَا الَّذِي قَدْ أَفْرَدَهُ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وَهُوَ بِكْرُهُ وَوَحِيدُهُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ أَجَابَ رَبَّهُ، وَامْتَثَلَ أَمْرَهُ، وَسَارَعَ إِلَى طَاعَتِهِ، ثُمَّ عَرَضَ ذَلِكَ عَلَى وَلَدِهِ لِيَكُونَ أَطْيَبَ لِقَلْبِهِ وَأَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَأْخُذَهُ قَسْرًا وَيَذْبَحَهُ قَهْرًا (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى) [الصافات: 102] فَبَادَرَ الغلام الحليم، سر وَالِدَهُ الْخَلِيلَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ:"يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) * وَهَذَا الْجَوَابُ فِي غَايَةِ السَّدَادِ وَالطَّاعَةِ لِلْوَالِدِ وَلِرَبِّ الْعِبَادِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) قِيلَ أَسْلَمَا أَيِ اسْتَسْلَمَا لِأَمْرِ اللَّهِ وَعَزَمَا عَلَى ذَلِكَ."
وَقِيلَ هَذَا مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ وَالْمَعْنَى تَلَّهُ لِلْجَبِينِ أَيْ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ.
قيل أراد أن يذبحه من قفاه
(1) في تفسير ابن كثير ; راجع سورة الصافات.
وسيأتي الحديث عنه في الفصل القادم.
(2) الحديث في البخاري في رواية طويلة (4 / 5 / 138 فتح الباري) .