فهرس الكتاب

الصفحة 3837 من 5637

فأنزلتهن في مسجد مهجور ثم قصدت مسجدًا مأهولًا أصلي فيه.

فدخلت مسجدًا فيه جماعة لم أر أحسن وجوهًا منهم، فجلست إليهم فجعلت أدبر فِي نَفْسِي كَلَامًا أَطْلُبُ بِهِ مِنْهُمْ قُوتًا للعيال الذين

معي، فيمنعني من ذلك السؤال الحياء، فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا بِخَادِمٍ قَدْ أَقْبَلَ فدعاهم فَقَامُوا كُلُّهُمْ وَقُمْتُ مَعَهُمْ، فَدَخَلُوا دَارًا عَظِيمَةً، فإذا الوزير يحيى بن خالد جالس فِيهَا فَجَلَسُوا حَوْلَهُ، فَعَقَدَ عَقْدَ ابْنَتِهِ عَائِشَةَ على ابن عم له ونثروا فلق المسك وبنادق العنبر، ثم جاء الْخَدَمُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ بِصِينِيَّةٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهَا أَلْفُ دِينَارٍ، وَمَعَهَا فُتَاتُ المسك، فأخذها القوم ونهضوا وبقيت أنا جالسًا، وبين يَدَيَّ الصِّينِيَّةُ الَّتِي وَضَعُوهَا لِي، وَأَنَا أَهَابُ أن آخذها من عظمتها في نفسي، فقال لي بعض الحاضرين: ألا تأخذها وتذهب؟ فَمَدَدْتُ يَدِي فَأَخَذْتُهَا فَأَفْرَغْتُ ذَهَبَهَا فِي جَيْبِي وَأَخَذْتُ الصِّينِيَّةَ تَحْتَ إِبِطِي وَقُمْتُ، وَأَنَا خَائِفٌ أَنْ تُؤْخَذَ مِنِّي، فَجَعَلْتُ أَتَلَفَّتُ وَالْوَزِيرُ يَنْظُرُ إِلَيَّ وَأَنَا لَا أَشْعُرُ، فَلَمَّا بَلَغْتُ السِّتَارَةَ أَمَرَهُمْ فَرَدُّونِي فَيَئِسْتُ مِنَ الْمَالِ، فَلَمَّا رَجَعْتُ قال لي: ما شأنك خائف؟ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ خَبَرِي، فَبَكَى ثُمَّ قَالَ لِأَوْلَادِهِ: خُذُوا هَذَا فَضَمُّوهُ إِلَيْكُمْ.

فَجَاءَنِي خَادِمٌ فَأَخَذَ مني الصينية والذهب وَأَقَمْتُ عِنْدَهُمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ وَلَدٍ إِلَى وَلَدٍ، وَخَاطِرِي كُلُّهُ عِنْدَ عِيَالِي، وَلَا يُمْكِنُنِي الانصراف، فلما انقضت العشرة الأيام جاءني خادم فقال: ألا تذهب إلى عيالك؟ فَقُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ، فَقَامَ يَمْشِي أَمَامِي وَلَمْ يعطني الذهب والصينية، فقلت: يا ليت هذا كان قبل أن يؤخذ مني الصينية والذهب، يا ليت عيالي رأوا ذلك.

فَسَارَ يَمْشِي أَمَامِي إِلَى دَارٍ لَمْ أَرَ أحسن منها، فدخلتها فَإِذَا عِيَالِي يَتَمَرَّغُونَ فِي الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ فِيهَا، وقد بعثوا إلى الدار مائة ألف درهم وعشرة آلاف دينار، وكتابًا فيه تمليك الدار بما فيها، وكتابًا آخر فيه تمليك قريتين جليلتين، فَكُنْتُ مَعَ الْبَرَامِكَةِ فِي أَطْيَبِ عَيْشٍ، فَلَمَّا أُصِيبُوا أَخَذَ مِنِّي عَمْرُو بْنُ مَسْعَدَةَ الْقَرْيَتَيْنِ وَأَلْزَمَنِي بِخَرَاجِهِمَا، فَكُلَّمَا لَحِقَتْنِي فَاقَةٌ قَصَدْتُ دَوْرَهُمْ وَقُبُورَهُمْ فَبَكَيْتُ عَلَيْهِمْ.

فَأَمَرَ الْمَأْمُونُ بردِّ الْقَرْيَتَيْنِ، فبكى الشيخ بكاءً شديدًا فقال المأمون: مالك؟ أَلَمْ أَسْتَأْنِفْ بِكَ جَمِيلًا؟ قَالَ: بَلَى! وَلَكِنْ هو من بركة البرامكة.

فقال له المأمون: امض مصاحبًا فإن الوفاء مبارك، ومراعاة حسن العهد والصحبة من الإيمان.

وفيها توفي: الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ أَحَدُ أئمة العباد الزهاد، وهو أحد العلماء والأولياء، ولد بخراسان بكورة دينور (1) وقدم الكوفة وهو كبير، فسمع بها الْأَعْمَشَ وَمَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ وَعَطَاءَ بْنَ السَّائِبِ

وَحُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرَهُمْ.

ثُمَّ انْتَقَلَ إلى مكة فتعبد بها، وكان حسن التلاوة كثير الصلاة والصيام، وكان سيدًا جليلًا ثِقَةً مِنْ أَئِمَّةِ الرِّوَايَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عنه.

وله مع الرشيد قصة طويلة.

وَقَدْ رُوِّينَا ذَلِكَ مُطَوَّلًا فِي كَيْفِيَّةِ دُخُولِ الرَّشِيدِ عَلَيْهِ مَنْزِلَهُ، وَمَا قَالَ لَهُ الْفُضَيْلُ بن عياض، وعرض

(1) قال ابن سعد: ولد بخراسان.

وفي تذكرة الحفاظ 1 / 246 وابن الاثير 6 / 189: ولد بسمرقند ونشأ بأبيورد وفي صفة الصفوة 2 / 237: ولد بخراسان بكورة أبيورد.

وانظر مروج الذهب 3 / 434 ووفيات الاعيان 4 / 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت