المسألة المهمة كذلك ألا يتعجل طالب العلم في الفتيا، فإنها مهلكة، وكان الصحابة يتدافعونها يقول تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء:36] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} [النحل:116] وفي حديث مرسل: {أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار} .
فيا أيها الإخوة: الله الله في التوقي في شأن الفتيا، و (لا أدري) نصف العلم، وقال علي بن أبي طالب: [[من فاتته (لا أدري) أصيبت مقاتله] ] وقال الشعبي: من أجاب الناس عن كل ما يسألونه فإنما هو مجنون، وذكر ابن القيم في إعلام الموقعين أن الإمام مالكًا كان إذا سُئل عن مسألة تأمَّل وجلس وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وكان بعض العلماء إذا سُئل عن مسألة جلس وقرأ الفاتحة، وبعضهم يقول: الله المستعان، وبعضهم يؤجل السائل يومًا حتى يتأمل المسألة، هذا من باب عدم السرعة في الفتيا.
وكان الصحابة يتدافعون الفتيا؛ يقول أحد التابعين لبعض التابعين: إنكم لتفتون في مسائل لو عرضت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر.
فيا أيها الإخوة! الحذر الحذر من الفتيا، أنا أعرف بعض الشباب يفتون في الطلاق بالثلاث، وأنا لا أتوقع مجلسًا من الشباب فيه ثلاثون شابًا، أو أربعون شابًا تعرض عليهم المسألة ويسكتون جميعًا ويقولون لا ندري؛ لا بد أن يتبرع منهم رجل ويصرمها تصيب أو تخطئ، وقد حذر ابن الجوزي في كتاب صيد الخاطر من خوف طالب العلم على جاهه، فإنه يأتيه الشيطان ويقول له: جاهك سوف ينسحق أمام العامة، فاحذر فيقال: ما رأيك يا فضيلة الشيخ في مسألة الطلاق ثلاثًا في دفعة واحدة وفي مجلس واحد؟ وهذه مسألة حيص بيص، المسألة أوقفت ابن تيمية في السجن أشهرًا، وجرى عليها خلاف طويل عريض، ابن تيمية يقول في أول كتاب الطلاق في الفتاوى، فيها أربعة أقوال: وقرأتها في كتاب هيئة كبار العلماء، وجدت فيها بحثًا يقارب ثلاثمائة صفحة، ثم خلصت الهيئة العامة لهيئة كبار العلماء بعد أن اجتمعت ودرست الأمر وخرجت بنتيجة فيما يقارب خمس صفحات، ومع ذلك يأتي الطالب ويفتي بسهولة.
وكذلك مسائل الدماء والأنساب والأبناء صعبة؛ فحذار حذار من التسرع وماذا عليك؟ يقول ابن عمر: لرجل لا أدري، لا أدري، فقال الرجل: كيف أنت ابن عمر وأنت لا تدري؟ قال: اذهب إلى الناس وكل من لقيته فقل: ابن عمر لا يحسن شيئًا، ووفدوا إلى مالك فسئل أربعين مسألة فأجاب عن ثمان في رواية، وقال في ثنتين وثلاثين: لا أدري، وكان علي بن أبي طالب يقول: [[ما أبردها على قلبي إذا سئلت عما لا أدري، فقلت لا أدري] ] وأمر الله رسوله بأن يقول: لا أدري أما قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لرسوله {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص:86] المتكلف: هو الذي يكلف نفسه بما لا يستطيع.