الحمد لله الذي كان بعباده خبيرًا بصيرا وتبارك الذي جعل في السماء بروجًا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرًا، واتخذوا من دون الله آلهة لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون، ولا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ولا يملكون موتًا ولا حياةً ولا نشورًا.
والصلاة والسلام على من بعثه ربه هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، صلى الله على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.
إن كان لي من شكر فأشكر الله تبارك وتعالى، ثم أشكر أهل الفضل وعلى رأسهم عميد هذه الكلية، وأشكركم على بشاشتكم وحسن استقبالكم، وعلى إيمانكم وحبكم وطموحكم، لأنكم أنتم أمة الإيمان والحب والطموح، أنتم أمة الأصالة، يوم لا يكون في الدنيا إلا أصالتكم وإلا حبكم وطموحكم.
وكلمتي هذه موجهة إلى الجندي المسلم.
وجندي بلا إسلام شخص لا حقيقة له.
وعين بلا إيمان مقلة عمياء.
وقلب بلا إيمان قطعة من اللحم.
وكتيبة بلا إيمان قطيع من البهائم.
وعالم بلا إيمان أرض ملعونة.
وقطاع بلا إيمان قطاع مغضوب عليه.
والإيمان هو أكبر قضية أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس بلا إيمان -عسكريين أو مدنيين، بريين أو بحريين- معناه أنهم يعلنون التمرد على الله والفشل والانهزامية، ورسالة الإيمان هي رسالتنا يوم نعيش بها مؤمنين ومؤدين لها إلى الناس، قال الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام:122] ومحمد إقبال يحيي الإيمان يوم يسار به على البحار، وأنا أتكلم اليوم عن البحار؛ لأنني أمام كتائب تتوجه بالدعوة على متن البحر، لتوصل الدعوة الإسلامية إلى الذين لا يعرفون أن وراء البحر مسلمين، يوم يقف عقبة بن نافع على المحيط الأطلنطي فيخاطب لفرسه، وقد ملأ قلبه بالإيمان، يقول: والله الذي لا إله إلا هو؛ لو أعلم أن وراء هذا المحيط أرضًا تقبل الإسلام لخضت بفرسي هذا المحيط لأبلغ دعوة الله.
وفي هذا الموقف يقول شاعر الباكستان محمد إقبال:
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا
كنا جبالًا في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا
نحن أمة لا إله إلا الله، وبعثنا للبشرية لا لنبني قصورًا، ولا سياجًا، ولا لنقدم طعامًا وشرابًا، بعثنا لنأخذ البشر من النار وندخلهم الجنة، بعثنا لنسجد البشر لرب البشر سُبحَانَهُ وَتَعَالى.
أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنمًا وجوارا
لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا
يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: {وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا} [الزخرف:33 - 35] أي: ذهبًا.
إن الذهب رخيص، إن الدنيا رخيصة إذا سلمت للكافر، وإن مقصد المسلم لا ليتسلم الدنيا للدنيا، ولكن ليتسلم الدنيا لله {وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف:35] أتينا إلى العالم، والعالم مليء بالذهب والفضة والدراهم والدنانير، كسرى أنوشروان حاكم فارس بقي في إيوانه يحكم العالم مدة طويلة من الزمن، كان ينظر إلينا نحن العرب على أننا أمة بدوية، أمة رعي، أمة ماشية، أمة يقتل الواحد منهم أخاه على مشرب الناقة وعلى الشاة، ولذلك امتن الله علينا نحن العرب أمة الرسالة فقال: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الجمعة:2] إي والله، ضلال التبعية والانهزامية، ضلال التخلف والرجعية، ضلال الفكر العفن والشرك والانحياد والكفر، فلما بعث صلى الله عليه وسلم كان يحفر الخندق بعد عشر سنوات أو أكثر من دعوته وعلى بطنه حجران من الجوع صلى الله عليه وسلم، فيأخذ المعول ويضرب به الصخرة، فيرى شظايا من الضياء والنور في السماء، فيقول الصحابة: ما هذا يا رسول الله؟ قال: لقد بشرني ربي بفتح قصور كسرى، قال المنافقون: كسرى أنوشروان؟ قال: كسرى أنوشروان، فيقول المنافق: نحن لا نستطيع أن نذهب لحاجتنا من الكفار وتبشرنا بقصور كسرى وقيصر! وقالوا: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب:12] ولكن بعد خمس وعشرين سنة بل أقل من خمس وعشرين سنة ذهب الصحابة ليقولوا لكسرى: انزل من على هذا المنبر فإنك دجال في الأرض، إنك عميل وثني لا تستطيع قيادة البشرية، فأنزلوه.