أيضًا من أخطائنا: عدم مراجعة الأخطاء والاستفادة من التجارب، وينقصنا أننا لا نراجع أخطاءنا، وأنا متحرج في هذه الليلة، وقد كُلَّمت قبل هذا الدرس وحُذِّرت ألا أتكلم في هذا الموضوع، لأني سوف أكشف عوارنا للآخرين، فإلى متى نتكاتم؟! وما هو المجلس الذي يجمعنا لكي نتحدث بأخطائنا.
؟! وإلى متى وقد مرت بنا عجلة الحياة؟! أما الآن فوجب علينا أن نتكاشف ونتصارح، وهذا -أظنه والله أعلم- منهجًا سديدًا، فمراجعة الأخطاء منهج في القرآن، قال سبحانه وتعالى لأهل أحد: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران:165] ولم يرجع ذلك إلى القضاء والقدر، ونحن نخطئ كثيرًا، ونقول: قضاء وقدر! نعم هو قضاء وقدر، لكن لماذا لا نستفيد من الخطأ الأول، وندرسه، ونجتمع له ونحلله، لماذا أخطأنا؟
الرماة الذين نزلوا من الجبل لامهم الله عز وجل، وجعلهم سببًا في الهزيمة وحاسبهم الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يقل قضاء وقدر، وقال سبحانه وتعالى للرسول عليه الصلاة والسلام، وقد تصرف باجتهاده في أسارى بدر: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال:67] يعني لماذا تأخذ الأسرى؟ هذا خطأ! ولكن الله عذره، ثم عفا عنه، وعمن أيده عليه الصلاة والسلام من الصحابة، وهذا دليل على منهج مراجعة الخطأ.
وعفا صلى الله عليه وسلم عن مجموعة من المنافقين، كانوا قد اعتذروا إليه كذبًا، وما كان للرسول صلى الله عليه وسلم أن يعفو عنهم، لكن قدر الله أن يعفو عنهم، فلما عفا عنهم، قال الله سبحانه وتعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة:43] كان الأسلم والأحسن ألا تأذن لهم {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة:43] وفي صحيح البخاري أن أبا ذر عير بلالًا وقال: يا بن السوداء، فحاكمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: {قال: أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية} حتى لا يعود إليها مرة ثانية.
وعمر لم يولِّ رءوس المرتدين، وقادة المرتين الذين رجعوا إلى الإسلام قيادة الفتوح أبدًا، كما قال ابن جرير وابن كثير، مثل طليحة بن خويلد الأسدي وعمرو بن معدي كرب الزبيدي الشاعر، لم يولهم عمر أبدًا، لأنهم أخطئوا قبل، فاستفاد من خطئهم ألا يأمنهم على جيوش يقودونها في المعركة.
وهنا أسأل سؤالًا: يا شباب الصحوة! لماذا لا نقرأ ملفاتنا السابقة في العمل والدعوة والجهاد، هل تقدمنا أم تأخرنا؟ هل أحسنا أم أخطأنا؟ مثل ملفات حماة، من هو السبب في قتل ثلاثين ألفًا في حماة؟ معصومة دماؤهم، شيوخ وأطفال ونساء، أنا أعلم أن الجميع سوف يجيبني أنه الطرف الآخر، وأنا أقول: نعم الطرف الآخر، لكن من الذي تصرف في القرار، وهل كان من الحكمة الدخول مع الطرف الآخر، وهل كان من المصلحة رفع السلاح؟ في اعتقادي أنه لا بد أن ندرس الملف من أوله إلى آخره، لنرى ولا نجعل أفعال الناس وأقوال الناس كأفعال المعصومين، هم بشر لا ينطقون بالوحي، يقول رجل منهم: تبدأ المعركة، فيتسبب بقتل ثلاثين ألفًا، فلا بد من الملف أن نراجعه حتى لا نقع في خطأ آخر.
مثل ملف أفغانستان -وأنا أحترم الجهاد الأفغاني، وأسأل الله أن ينصر المجاهدين نصرًا مؤزرًا، ونحن مع الجهاد، والذي يتخلف عن الجهاد فيه نفاق، ولا نقصد إلا النصيحة، يعرف ذلك من عرفه، ومن لم يعرف ذلك فإني لا أستطيع أن أقنعه، لأنه وطن نفسه ألا يقتنع، فهو ملغم من داخله ألا يقتنع- مثلًا، لماذا لا ندرس ملف الجهاد منذ أن بدأ إلى الآن؟ لأن المجاهدين إخوان مثلنا، وقد فاقونا بأنهم شهدوا وحضروا، ورأوا بأعينهم، ولكن مع اجتماع الرأي وأهل العلم وأهل الدعوة، قد يكون هناك تصويب كثير.
مثلًا لماذا لا نراجع ملف الصحوة؟! فإن كثيرًا من الناس يدعي أن الناس أصبحوا في صحوة، وأنهم عادوا إلى الله، وليس للشباب أخطاء وأن تربيتهم مجيدة، وعلمهم الشرعي متوسط، فإذا جئت تنصح قالوا: لا تشق الصف، لا تثر الغبار، لا تكن حجر عثرة، ولا تثر فتنة على المسلمين، لماذا أنا أثير إذا نصحت؟ وإذا عرضت وأبديت رأيًا للناس، هذا لا يكون، فالرسول صلى الله عليه وسلم سمع من الصحابة، وكذلك أبو بكر وعمر، وسوف يأتي كلام عن هذا إن شاء الله.