العلم ينفق منه كما ينفق من المال، في كل أربعين شاة، هذا من الغنم، ولكن يقول بعض السلف: يا أهل العلم زكوا الحديث في كل مائتين حديث خمسة أحاديث، لأنه قرأ قراءة منهجية، أن الأحاديث العملية قليلة، وأحاديث الفضائل، وأحاديث الأخبار والسير والقصص كثيرة، فكلما مر بك حديث يقبل العمل فاعمل به فورًا.
يقول الإمام أحمد: كتبت المسند فيه أربعون ألف حديث مع المكرر، وثلاثون بغير المكرر، وما من حديث مما يقبل العمل إلا عملت به، حتى إني وجدت حديثًا أن الرسول عليه الصلاة والسلام اختفى في غار ثور ثلاثة أيام فاختفيت في غار في بغداد ثلاثة أيام.
والتطبيق يقع في الحال.
ليس المسألة أن نمتحن وننجح إنما المسألة العمل بالعلم.
سبحان الله! يعرض علينا الحديث في الصحيحين على السبورة، ويكتب ويشرح قوله صلى الله عليه وسلم: {من قال في يوم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة، كتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له عدل عشر رقاب، وكان له حرز من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا رجلًا عمل بعمله أو زاد عليه} ثم لا يعمل به أحد! إذًا فما فائدة حفظ الحديث واستنباطه إلا للعمل، ومعنى الإنفاق من العلم: أن تعلم به الناس.
إن القرى تشكو إلى الله عز وجل من الجهل والبدع والخرافات والتقليد.
لا يعرفون أوليات الإسلام وأساسيات الدين: كالغسل من الجنابة، والوضوء وكيفية الصلاة، والطلبة الجامعيون يملئون القرى، ولا يتصدر أحدهم ليقرأ بالناس أو يعلمهم.
إن الناس لا يريدون عالمًا متخصصًا يعلمهم بتصحيحات الأحاديث واختلافات أهل العلم، إنما يريدون علمًا مبسطًا ميسرًا، وأضعف واحد عندنا في هذه الجلسة يستطيع أن يكون عالمًا مفيدًا لبني قومه في قريته وضاحيته، ويوم تنفق يزيدك الله عز وجل: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان:17] .
يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفًا شددتا
كل شيء ينقص إذا أنفقت منه إلا العلم، فكلما أنفقت منه زاد، ويأتيك كالسيل وكالبحر، كلما تحدثت وشرحت ولخصت ودعوت وخطبت، تداعت عليك الخواص، وأتتك إن شاء الله الفتوحات، وفتح الله عليك فأصبحت تسيل سيلانًا.