في صحيح مسلم أن رجلًا اسمه جليبيب وهو مولى ضعيف ممزق الثياب، ليس عنده دار ولا شيكات ولا بنوك، ولا سيارات ولا فلل، يأتي بثياب ممزقه فيتبسم صلى الله عليه وسلم من حالته، حالة أهل الإيمان الذي يقول الله فيهم: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28] يقول صلى الله عليه وسلم لـ جليبيب: {ألا تتزوج؟ قال: يا رسول الله! ومن يزوجني؟! لا أهل ولا جاه ولا مال} لكن عنده أعظم من الجاه الإيمان، وعنده أعظم من المال الإيمان، وعنده أعظم من الولد الإيمان.
هبوا لي معشرًا قومًا صحاحًا أدك بها حصون الكافرينا
ودكوا لي بالإيمان صرحًا متينًا من صروح الفاجرينا
خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حرًا طليقًا غريبا
فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيدًا سليبا
ماذا وجد من فقد الله وماذا فقد من وجد الله؟
قال في المرة الثانية: يا جليبيب ألا تتزوج؟ قال: من يزوجني يا رسول الله؟ لا أهل ولا جاه ولا مال.
وفي الثالثة قال له: ألا تتزوج؟ قال: من يزوجني يا رسول الله؟! لا أهل ولا مال ولا جاه.
قال: اذهب إلى أهل فلان من الأنصار واطرق بابهم وقل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تزوجوني ابنتكم.
فذهب وطرق الباب، فخرج أبو البنت: ماذا تريد يا جليبيب؟ قال: أريد الزواج من ابنتكم.
قال: الله المستعان جليبيب! قال: الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرني.
فعاد يشاور امرأته (حق الفيتو عند المرأة) لا يصرم حبلًا ولا يبني جدارًا إلا بعد أن يشاور المرأة؛ فشاورها وعرض عليها الأمر، فهزت رأسها، فهي تعرف جليبيبًا، قالت: جليبيب! الله المستعان! قال: أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم.
فتلكأ الرجل وتلكأت امرأته، فسمعت البنت المؤمنة الصادقة الناصحة؛ التي نريد من فتياتنا المسلمات المؤمنات أن يكن مثلها، تحب الإيمان وتحب أن تتزوج من أهل الإيمان، ولا تفضل على أهل الإيمان أهل درهم ولا دينار ولا منصب ولا مال.
قالت البنت: أتريدون أن تردوا أمر الرسول عليه الصلاة والسلام؟ لا والله لأتزوجنه، فذهب ليأتي بالمهر فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم مالًا يشتري به الصداق، فسمع بالجهاد فاشترى به عدة للحرب وترك الزواج وحضر المعركة فقاتل حتى قتل، بحث عنه النبي صلى الله عليه وسلم حين افتقد كلٌ قريبه وصاحبه فيقول صلى الله عليه وسلم: من افتقدتم؟ قالوا: فلانًا وفلانًا وفلانًا.
قال: أتذكرون أحدًا؟ قالوا: لا نذكر أحداًَ.
قال: لكني افتقدت جليبيبًا، ثم ذهب يبحث عنه فوجده قد قتل سبعة ثم قتلوه، فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم.
إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى
وقال عليه الصلاة والسلام: {قتلت سبعة ثم قتلوك! أنت مني وأنا منك، أنت مني وأنا منك، أنت مني وأنا منك}
أتى سلمان يبحث عن الإيمان، ترك أباه وأمه وزوجته وأهله، فلما تدرع بالإيمان، وهو لا يملك قصرًا ولا دارًا ولا منصبًا، قال العرب: من أبوك يا سلمان؟ قال:
أبي الإسلام لا أب له سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
فأولياء الله عز وجل من مواصفاتهم حفظ أعراض المسلمين وحمايتها بظهر الغيب.