تراقي آخرين، وإلى ثدي آخرين، ودون ذلك، ويطول هذا الموقف حتى يكون كألف سنةٍ مما تعدون، ويبحث الناس فيه عن المخرج ولا يجدون المخرج إلاَّ إلى الأنبياء، ويختارون أولي العزم منهم، فيمرون بهم مرورهم الذي أخبرنا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم في الآخر تكون المنزلة والرفعة لرسولنا - صلى الله عليه وسلم - الذي هو الشافع المشفعن وهذا هو المقام المحمود الذي ادخره الله له.
تذكر ماذا ستكون عليه في ذلك اليوم، الذي ينظر الشخص من أمامه فلا يرى إلا عملَه، وينظر من خلفه فلا يرى إلا عمله، وينظر أيمن منه فلا يرى إلا عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلاّ عمله، وتذكر هذا الموقف العظيم الذي تعلن فيه النتائج، وينادي الله - سبحانه وتعالى - آدمَ بصوت، فيقول: (( أخرج بعث النار، فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك يوم تذهل كلُّ مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حملٍ حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى؛ ولكن عذاب الله شديد ) ) [33] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn33) ، ذلك الوقت الذي تعلن فيه النتائج على رؤوس الأشهاد، فينادى: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} [يس: 59] .
فيُفصل بين الناس فيه، ويحال بينهم، ويضرب فيه بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة، وظاهره مِن قِبَله العذاب.
تتذكر مرورك وعبورك على الصراط، الذي هو جسرٌ منصوب على متن جهنم، يمر الناس عليه، وهو أحدُّ من السيف، وأرقُّ من الشعر، وعليه كلاليبُ كشَوْك السَّعْدَانِ، يمر الناس عليه بحسب أعمالهم؛ فمنهم مَن يمر كالبرق الخاطف، ومنهم مَن يمر كالريح المرسلة، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل والإبل، ومنهم من يمر كالرجل يشتد عدْوًا، ومنهم من يزحف على مقعدته؛ فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومخدوشٌ مرسل، ومكردسٌ في نار جهنم.
تتذكر عبورك على هذا الصراط، وأنه جسر حقيقي، وأنك اليوم تسير على جسر معنوي، وهو المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وأنه بقدر ثباتك على هذا الصراط الدنيوي، يكون ثباتك على الصراط الأخروي.
فاختر لنفسك وأنت ترى هذا بعيني رأسك، ترى أنك الآن تسير على صراطٍ، أنت متحكمٌ فيه، وأنت منه في سعة: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] .
تسير في صراط موافقٍ للفطرة، ليس فيه كلاليب كشوك السعدان؛ بل كل أموره ميسرة ولله الحمد، كل أموره موافقة لمرضاة الله، ولفطرة ابن آدم التي فطره الله عليها، وكلها لمصلحة ابن آدم، وأنت تسير عليه، واعلم أنه على قدر استقامتك عليه ستكون استقامتك على ذلك الصراط الأخروي، الذي وصفناه بأوصاف مناقضة لهذه، فهو بهذا الضيق، والشدة، والحدة، وعليه هذه الكلاليب، التي هي كشوك السعدان.
ربما كانت حجتك الأخيرة:
ثم تتذكر أن هؤلاء القوم الذين يجتمعون في هذا الحج، سيتفرقون تفرقًا لا لقاء بعده، فيا رُبَّ واقفٍ بعرفة لن يقف بعدها بعرفة أبدًا، ويا رُبَّ حاج في هذه السنة لا يأتي عليه هذا اليومُ إلاّ وهو تحت التراب، ولا تدري لعلك تكون منهم؛ فلذلك حاول أن تنتهز الفرصة التي نلتَها، فإن يوم القيامة ليس فيه اهتبال للغرض؛ بل إن كان أحد يوم القيامة يتمنى أن يعود إلى الدنيا؛ لعله يغير شيئًا مما كان يعمله، فالمحسن يندم على ألاَّ يكون زاد، والمسيءُ يندم على أصل إساءته، كل الناس سيندمون يوم القيامة، ويتمنَّون الرجعة إلى هذه الدنيا، التي هي دار عملٍ ولا جزاء، وهم يعلمون أنهم في الآخرة، التي هي دار جزاءٍ ولا عمل، ويتمنون لحظةً واحدةً يعودون فيها إلى هذه الدنيا؛ لعلهم يحسنون صُنعًا، وبذلك أخبرنا الله - تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون:10، 11] .
وكذلك قال: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99، 100] .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)