ـ [اسامة الشامخ] ــــــــ [16 - 12 - 10, 04:56 ص] ـ
"الرواية".. ووظيفتها الدعوية
يجمع الأدب الإسلامي في طرحه بين العاطفة والفكر والسلوك مشكلًا في ذلك منظومة تحمل لونًا من ألوان الأدب العالمي، متميزًا عنه في الدلالة والمحتوى، وأضحى بذلك له سمته وصبغته العامة التي تنطلق من العقيدة والسلوك لتكوين فهم واضح للوجود والحياة، وليس ضروريًا أن يكون الشكل أو الصورة أو اللغة أو الزمان عاملًا في تحديد هوية الأدب الإسلامي، بل هو المحتوى والمقصد اللذان يحددان هوية الأدب الإسلامي، وقد تعددت فنون الأدب العالمي وتفاوتت فيما بينها هبوطًا وصعودًا، واختلفت طرائقها وتنوعت مشاربها بين مقلٍ ومستكثر.
وإن من تلكم الفنون (فن الرواية والقصة) في صورتها السردية واختلاف تناولها، لذا نجد حبَّ القصة مركوز في النفس والوجدان، وتتشوفها القلوب والأفئدة بشغف ولهف، فهذه الأم تسرد قصة على طفلها وهو في فراشه الوثير حتى يتغشاه النعاس، وهذه مجالسنا تنضح بالقصص والروايات فترتخي لها الآذان وتنجذب لها القلوب في قول السارد حين يبرع في حبكة مالديه، وهذا في عالم الفنِّ الخطابي أما في عالم الفنِّ الكتابي، فإنك لتجد الرواية الأدبية حاضرة في فكر وعاطفة الإنسان المعاصر. إن الرواية اليوم تعد مظهرًا إبداعيًا لا يضاهيه من فنون الأدب شيء، فهو يجسد العمل الفني المتقن ويحاكي وجس النفس وإحساسها، وصارت أكثر وسائل التعبير تذوقًا في حس الجماهير على اختلاف أجناسها وأعراقها وأفكارها ومعتقداتها، حتى أضحت أكثر الفنون الأدبية انتشارًا وتصدرت قائمة الكتب الأكثر مبيعًا في وقتنا الحاضر، وما ذاك إلا لسحرها الذي يضفي لقارئها متعة ذهنية وعاطفية، فهي تنقله من حالة مزاجية الى حالة مزاجية أخرى، ومن حالة الملل والركود الى نشاط الذهن وتوقده، ومن حالة اليأس الى حالة الأمل، وهكذا دواليك، يعيش القارئ من خلالها ليجد نفسه في ساحة من الخيالات تطئها أقدام أبطال الرواية وشخصياتها. فالرواية لها أثرها البعيد سلبًا وإيجابًا وكثيرًا ما يتسرب أثرها غير المباشر الى مكنونات عقل القارئ ونفسه ووجدانه فيتبنى ما فيها من رؤى وأفكار ويمتثل ما بها من مشاعر وعواطف.
نشأت الرواية في الغرب بصورتها الأدبية وخصائصها الفنية في القرن الثامن عشر الميلادي، وأصبح أدب الرواية أدبًا له شكله الفني الخاص به وكتّابه المبدعون، الذين سعوا آنذاك الى اصلاح مجتمعاتهم، وتطهير بيئتهم من أنواع الظلم والعدوان، وقاموا بحملة واسعة لمحاربة الأخلاق الفاسدة، ونشر القيم والفضائل والشرف والعفة، صاغوا ذلك بعاطفة جياشة، وأصبح شكل الرواية في ذلك العصر آخذًا طريق كل مبدأ وقيمة إنسانية تسمو بالفكر والأخلاق، فتجد مثلا رواية (البؤساء) لفيكتور هيجو التي ظهرت في القرن التاسع عشر تصور مرحلة مراحل المجتمع الفرنسي الذي عانى الظلم الاجتماعي، طرّز هيجو من خلالها أجمل صورة للقدرة الإنسانية على الكفاح والصبر على الظلم، وعبّأها جملة من المشاعر الإنسانية، وكذا رواية (أوليفر تويست) لتشارلز ديكنز تحدث فيها عن الشر المتفشي في المجتمع الإنجليزي وبالأخص في الإصلاحيات التي تأوي الفقراء والأطفال والمشردين، مشيرًا الى السهولة التي يدخل بها الأطفال الى عالم الجريمة تحت تأثير وضغط الكبار الذين يستغلونهم لتحقيق مكاسب شخصية لهم. والراوية العربية تأثرت بالرواية الغربية سلبًا وإيجابًا، بل سارت على نسقها، فترجع نشأتها الفنية الى بداية النهضة الحديثة إذ كان للصحافة والترجمة دور أساسي في نشأتها، يقول الزيات: فلما أثمرت بواكير النهضة الحديثة اقتبس أدباؤنا فيما اقتبسوا من أدب الغرب القصة الإفرنجية بقواعدها ومناهجها وموضوعاتها، وكان أول من فعل ذلك اللبنانيون لسبقهم الى مخالطة الأوروبيين والأخذ عنهم، كفرنسيس الحلبي، وسليم البستاني، وجرجي زيدان. انتهى
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)