إذًا يعد فن الرواية أدبًا غربية بحتًا، إلا أن البعض يرى أن التراث العربي عرف القصة والحكاية والمقامة قبل ذلك وعليه فإن فن الرواية ليس فنًا غائبًا عنّا طارئًا على ثقافتنا ولكنه وفد من الغرب بتقنية مختلفة نوعًا ما، ولا نريد أن ندخل في خلاف أهل الإختصاص حول: هل الرواية فن عربي أصيل أم مستورد من الغرب؟ وهذا بحد ذاته ليس عذرًا في اقتحامه، ولا أحد ينكر أن الرواية العربية أزاحت الشعر عن عرشه وحلت مكانه، وهذه الإزاحة جاءت عالمية وليست عربية فحسب ولا أدلّ على ذلك من أن الفائزين في جائزة نوبل للأدب كان أغلبهم من الروائيين!.
تتعدى فائدة الرواية من مضمونها الذوقي الى مضمونها القيَمي، فلا توجد رواية من الروايات إلا وتطرح فكرة أو تحاكي عاطفة أو ترسم صورة في مخيلة القارئ، لكي تتركه بعدها يفكر ويرسم شعوره وفق ما قرأ، فقد أخذ اتجاه الرواية في القرن العشرين منحى خطيرًا، ومنزلقًا فكريًا وأخلاقيًا هيئته ظروف من الصراع الفكري في الغرب، إذ صار الفكر المعادي للدين والمتمرد على الأخلاق يجد في الأدب مدخلًا لنشر فكره واعتقاده، فكان الصراع الناشئ في الغرب والقائم على نظريات إلحادية مادية انعكاسًا على الأدب، وبالأخص الرواية، فظهرت الرواية الجنسية التي تحاكي الغرائز والشهوات، منطلقة في ذلك من حيوانية الإنسان، وتغلُّب الجنس على شعوره وعاطفته وفكره، وساد هذا الفكر الأدبي، ليعم أرجاء الأدب الغربي، وانعكس ذلك سلبًا على الرواية العربية، قادها نفر من أبناء المسلمين، المتأثرين بالغرب، المنبهرين بحضارته، غير مبالين بخيره وشره، جاء ذلك الأثر والإنعكاس من خلال ابتعاثهم الى بلاد الغرب كطلبة ودارسين ينهلون منه كل مشرب، ومن ذلك الأدب الروائي الغربي في صورته، وظهرت أول رواية عربية على نسق الروائيين الغربيين اسمها"زينب"لمحمد حسين هيكل، فقد كان الموضوع الذي تعالجه أقرب ما يكون الى الموضوعات التي تستهوي الروائيين الرومانسيين في فرنسا، مثلها
"الأجنحة المتكسرة"لجبران خليل جبران، ويلاحظ القارئ والمثقف اهتمام العلمانيين العرب بالرواية والقصة، لما أدركوه من تأثيرها في صناعة الفكر وتشكل الرأي، فأخذوا ينشطون في هذا المسلك زاعمين ممارسة الفن الأدبي والحرية الفكرية، عكفوا على وصف العورات، ورغبوا في إثارة المراهقين والمراهقات، وسعوا لتدمير الأعراض، والقضاء على الأخلاق، وتمردوا على ذات الله تعالى وعلى أنبيائه، ووصلوا في ذلك الى أعلى درجات الشعور الذي يبعث على الإشمئزاز من كل شاذ يقدح في الفطرة، واضرب لذلك مثالين من انحطاط الرواية العربية في عصرنا، المثال الأول: رواية (أودلاد حارتنا) لنجيب محفوظ، نال بها جائزة نوبل،سلك فيها مسلك الفيلسوف الغربي (نتشيه) الذي جاء بفكرة (موت الإله) ، فجعل أولاد الحارة شخصيات ورموزًا على الله وانبيائه ورسله، فـ شخصية (الجبلاوي) يرمز في القصة الى الرب -تعالى الله عن ذلك- وشخصية (جبل) رمزًا لموسى عليه السلام، وجعله من الهواة الذين يلعبون بالثعابين، و (رفاعي) رمزًا لعيسى عليه السلام وجعله واحدًا من المعتوهين، و (قاسم) رمزًا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ويصف (قاسمًا) بالإدمان والسكر وأنواع الفحش، وتدور الرواية على السخرية والإستهزاء بالله وأنبيائه، وتنتهي الرواية بموت (جبلاوي) .. !، ويتملككَ العجب حينما ترى الغرب ينشط في ترجمة هذه الرواية لأكثر من لغة، بل إنها عندما ترجمت الرواية الى اللغة السويدية ترجمت بعنوان (موت الإله) ، وجاء في تقرير لجنة منح الجائزة بالأكاديمية السويدية على لسان (ستودي آلان) سكرتير الأكاديمية: وهو-يعني نجيب محفوظ- يتحمل موت الجبلاوي - أي الإله-) وهذا النص المعلق الغربي على الرواية.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)