فتذكر أن الذين كانوا يعادون هذه الدعوة، ويقفون في وجهها، من صناديد قريش، ومن سواهم - لم تبقَ لهم باقيةٌ على هذه الأرض، ولا يُعلم مكانُ أحد منهم؛ إلا أنه عن يسار من دخل النار - نعوذ بالله - أما محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الذين كانوا مستضعفين، فهم الذين كتب الله البقاء لدعوتهم، وأيدهم بنصره، وأعلى منزلتهم في الأولين والآخرين، ونصرهم هذا النصر المبين، فلذلك تُثني على الله - سبحانه وتعالى - بهذا فتقول:"وهزم الأحزاب وحده".
ثم إذا ذهبت إلى المروة تذكرت أن الصفا والمروة كان عليهما صنمان؛ كان على الصفا صنم اسمه إساف، وكان على المروة صنم اسمه نائلة [24] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn24) ، وكان الناس يترددون بينهما في الجاهلية ويعظمونهما، فلما كسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذين الصنمين بعد الفتح، تحرج أصحابه من الطواف بهما (الصفا والمروة) ؛ فردَّ الله عليهم هذا التحرج بقوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158] .
وادي منى:
ثم إذا ذهبت إلى منى، رأيتَ هذا الوادي المبارك الضيق، الذي كان فيه إبراهيم خليل الله، وكان يطرد الشيطان ويرجمه بالحجارة [25] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn25) ، وفيه كانت قصة الذبيح، وفيه منزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد الخيف، حيث نزل ونظم الناس تنظيمًا عجيبًا، فجعل في مقدمة المسجد المهاجرين والأنصار؛ إشعارًا للناس بمنزلتهم في الإسلام؛ لئلا ينازعوهم، ثم جعل وراءهم مُسلمة الفتح، ثم وراءهم الأعراب، فجعلهم في مؤخرة المسجد، وترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما عُرض عليه أن يُبنَى له بيت بمنى؛ يستظل فيه من الشمس، قال: (( لا، إنما منى مُناخ مَن سبق إليها ) ) [26] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn26) .
وتجد هذا التواضع العجيب من سيد خلق الله، وأكرمهم على الله، وهو يمتنع أن يبنى له بيتٌ في منى؛ يستظل فيه من الشمس، ويصلي في مكان هذا المسجد إلى غير جدار، كما قال ابن عباس - رضي الله عنهما: وتمر الأتان بين يدي بعض الصف وهو في صلاته [27] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn27) ، فكل هذا يشعرك أن هذا الدين دين الفطرة، وأنه مَن تواضع لله رفعه الله [28] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn28) ، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يُعزَّه الله بمعايير المادة الدنيوية، وإنما أعزَّه بمعيار نصر الله - سبحانه وتعالى - ورَفْعه الذي رفعه به وأعلى منزلته.
إلى عرفات:
ثم عندما تنطلق إلى عرفات، تستشعر أن هذا الوادي الذي يسمى بطن نعمان، وهو وادي عرفات - هو الذي مسح الله فيه ظهرَ آدم بيده الكريمة، فأخرج منه ذريَّة، فقال: أي ربِّ، من هؤلاء؟ قال: خلق من ذريتك خلقتهم للنار، وبعمل أهل النار يعملون، ثم مسحه مرةً أخرى، فأخرج منه ذرية، فقال: أي ربَّ، من هؤلاء؟ فقال: خلق من ذريتك خلقتهم للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون [29] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn29) ، ثم دعاهم أجمعين فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى جميعًا، هذا في عالم الذرِّ، أما المؤمنون فقد بقوا على هذا العهد الذي أشهدوا الله عليه، فما زالوا يجددون العهد في كل سنة يتوافدون إلى هذا المكان؛ ليعلنوا أنهم يقرون لله - تعالى - أنه ربهم، يتذكرون أنه خاطبهم في هذا المكان بقوله: {ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] ؛ فلذلك يجددون هذا العهد مع الله، وهو العهد الذي تجدده أنت في كل صباح ومساء، بما أمرك به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث سيد الاستغفار: (( اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ) ) [30] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn30) الحديث، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت: هو هذا العهد القديم الذي كان في عالم الذر، الذي قال الله فيه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)