الزي، بنفس الكلمات التي يرددونها، تذكرهم بأنهم أمة واحدة: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52] .
فيه آيات بينات:
ثم إذا وصلت إلى مكة، وقطعت التلبية، ودخلت المسجد الحرام - تذكرتَ الآيات البينات التي فيه، فهن من العجب العجاب، فمنها هذا البيت الحرام العتيق، الذي هو أول بيت وضع للناس، من هنا انطلقت حضارة العالم كله.
فإذا نظرت إلى البيت العتيق، قلتَ: من هنا بدأت الإنسانية، الإنسانية كلها، فأول بيتٍ وُضع للناس هو هذا البيت.
فتنظر إلى انتشار الناس في مشارق الأرض ومغاربها، وما سُخر لهم من الأرزاق، وما نُشر في مناكب الأرض من الخيرات، وبدايتهم من هذه الغرفة الواحدة، التي هي بداية الحضارة في الأرض كلها: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96] .
ترى أنه مبارك كما وصفه الله بذلك، ولذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستلم الحجر الأسود [11] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn11) ، وقد روي أنه قال: (( إنه يبعث وله لسانٌ وعينان، يشهد لمن استلمه بحق ) ) [12] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn12) ، وقال فيه ابن عباس:"الحجر الأسود يمين الرحمن في الأرض، فمَن قبَّله فكأنما قبَّل يمين الرحمن" [13] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn13) .
حرمًا آمنًا:
وكذلك من العجائب فيه، أن هذا البيت العتيق عتيقٌ في الدنيا والآخرة، عتيق في الآخرة، فهو مشرفٌ عند الله - تعالى - معظَّم، وعتيق في الدنيا فلا تصل إليه سلطات السلاطين، فهو دائمًا بمنأى عن هذه الأمور؛ لأن الله - تعالى - جعله للناس كافة، كما قال - تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] .
ولذلك تقول امرأةٌ في الجاهلية لولدها:
أَبُنَيَّ لاَ تَظْلِمْ بِمَكَّةَ ... لاَ الصَّغِيرَ وَلاَ الكَبِيرْ
أَبُنَيَّ قَدْ جَرَّبْتُهَا ... فَوَجَدْتُ ظَالِمَهَا يَبُورْ
اللَّهُ آمَنَهَا وَمَا ... بُنِيتْ بِسَاحَتِهَا القُصُورْ
وَلَقَدْ غَزَاهَا تُبَّعٌ ... فَكَسَا بَنِيَّتَهَا الحَرِيرْ [14] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn14)
فتجد أن هذا التعظيم الذي هو في قلوب الناس لهذه الكعبة المشرفة - ليس بسبب أن دولة من الدول أرادت تعظيم هذا المكان، أو أرادت أن تجعله موقعًا سياحيًّا تدعو الناس إليه؛ بل هو تعظيمٌ من عند الله - تعالى - فطر الناس عليه، وهو تعظيم قديم غير جديد، فهو منذ خُلِقت السموات والأرض؛ ولذلك حين حُفر في داخل الكعبة المشرفة لبنائها، وُجد حجرٌ فيها مكتوب عليه:"أنا الله ذو بكة، خلقتها أو حرمتها يوم خلقت السموات والأرض" [15] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn15) .
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في خطبة بعد يوم الفتح: (( إن مكة حرَّمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يَحلُّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها فقولوا: إن الله قد أذِنَ لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، ثم عادتْ حُرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ليبلغ الشاهد الغائب ) ) [16] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn16) ، وعندما دخلها بالسلاح ألصق ذقنه بصدره؛ حياءً من الله - سبحانه وتعالى - أن يدخل مكة بالسلاح [17] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn17) ، وهو يدخلها لإبطال الباطل، وإحقاق الحق، ومع هذا فهو لهذا الاحترام يلصق ذقنه بصدره؛ حياءً من الله - سبحانه وتعالى - لدخوله بلده الحرام بالسلاح.
العبادة لله وحده:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)