كما ثبت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في"صحيح مسلم"فيما يرويه عن ربه - عز وجل - أنه قال: (( أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عَمِلَ عملًا أشرك فيه معي غيري، تركتُه وشِركَه ) ) [5] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn5) .
فكثير يُشرك مع الله - تعالى - غيرَه في عمله، برياء، أو سمعةٍ، أو غير ذلك، فلا يتقبل الله حجَّه ويَردُّه، وينسب للإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى:
إِذَا حَجَجْتَ بِمَالٍ أَصْلُهُ سُحُتٌ فَمَا حَجَجْتَ وَلَكِنْ حَجَّتِ العِيرُ [6] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn6)
لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ كُلَّ طَيِّبَةٍ مَا كُلُّ مَنْ حَجَّ بَيْتَ اللَّهِ مَبْرُورُ [7] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn7)
فقلة هم المبرورون الذين يُتقبل منهم حجهم، ويؤثِّر في إيمانهم ويزيده.
طريق الأنبياء:
وإذا تجاوز نقطة البداية، تذكَّر الشخص في مسيره إلى البيت الحرام أنه يسلك طريق الأنبياء، فما من نبيٍّ بعد إبراهيم - عليه السلام - إلاَّ حجَّ هذا البيت [8] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn8) ، وهذه النقطة نبَّه عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طريق ذهابه إلى الحَجِّ مرتين، كما في حديث ابن عباس في"صحيح مسلم": أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما مرَّ بفجِّ الروحاء سأل: (( أيُّ وادٍ هذا؟ ) )، قالوا: وادي الأزرق، فقال: (( كأني أنظر إلى موسى واضعًا إصبعيه في أذنيه، له جُؤَار إلى الله - تعالى - بالتلبية، مارًّا بهذا الوادي"، ثم مر بثنية، فقال: (( أي ثنية هذه؟ ) )، فقالوا: هَرْشَى أو لِفْت [9] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn9) ، فقال: (( كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراءَ، خطامُ ناقته ليفُ خُلْبَةٍ، وعليه جبة من صوف، مَارًّا بهذا الوادي ملبيًا ) ) [10] ( http://www.alukah.net/Personal_Pages/1213/4170/#_ftn10) ، فبيَّن هنا إلى أن سالك طريق الحج، عليه أن يَذكُر أنه حلقة من سلسلة طويلة، فيها رسل الله وخيرته من خلقه وأصفياؤه، فهم جميعًا لبوا نداء الله، وحجوا هذا البيت، وأنت تسلك آثارهم، وتريد عند الله ما يريدون، فلذلك عليك أن تلتزم بهديهم وسنتهم؛ لأنك تريد مرافقتهم في مرضاة الله - تعالى - وفيما رغبوا فيه، فأنتم أتيتم إجابةً لنداء الله، فكما جاء الأنبياء تأتي أنت، تسلك طريقهم، وتترسَّم خطاهم، وتبتغي عند الله ما كانوا يبتغون."
فإذا رأيت كثرة القاصدين الوافدين معك من كل مكان، كان هذا أيضًا داعيًا لتقوية الإيمان؛ لأن هؤلاء لا يمكن أن يجمعهم في صعيد واحد إلاَّ مُلْكُ ديان السموات والأرض، ولذلك يقولون في تلبيتهم:"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لكَ لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، فيحمدون الله - عز وجل - على أن حملهم، ويسر لهم وسهل، وبلغهم.
ثم يقرُّون أيضًا بهذه النعمة التي أنعم الله بها عليهم من الإيمان، ومما يسر مما دون ذلك، ثم يقرون لله بهذا الملك الذي يجمع أهل مشارق الأرض ومغاربها، وجنوبها وشمالها، لا تمر في طريق إلاَّ رأيت عجبًا، تجد عن يمينك حجاج أمريكا، وعن يسارك حجاج اليابان، وبين يديك حجاج فرنسا، ومن خلفك حجاج أستراليا، وهكذا ...
فيجتمع أهل هذه المشارق والمغارب في هذا الصعيد يلبُّون هذه الدعوة، التي لو كانت من أحد من ملوك الأرض، لما استطاع أن يجمع هذا الجمع، ولا قريبًا منه، ولا أقل من ذلك.
ثم إذا رأيتهم جميعًا يلبون بتلبية واحدة، ويقومون بشعائر موحدة، ويقصدون بيتًا واحدًا، ومشاعر موحدة، أيقنت ببقاء هذا الدِّين وخلوِدِه، وصلاحيته للتطبيق المستمر في كل زمان ومكان، وأنه الدين الحق، وأنه مهما تعالت الصيحات المناوئة له فإنها من صولات الباطل، وإن للباطل صولةً فيضمحل، وإن الحق يعلو ولا يُعلى عليه؛ لذلك تعلم أن الناس لا بد أن يعودوا إلى هذا المنهج، الذي وصلوا به إلى ما وصلوا إليه، مهما ابتعدوا عنه، ومهما تفرقوا واختلفوا، فلا بد أن يعودوا إلى هذا المنهج الصحيح، ولذلك فإن تلبيتهم ومجيئهم، يبذلون أموالهم وأوقاتهم، ويتعرضون للكثير من الأوبئة والأمراض وغيرها، ويَصِلون إلى هذه الأماكن المقدسة، وما زالت تجمعهم نفس الشعائر، في نفس المشاعر، بنفس
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)