والجواب على ذلك بأن نسأل: هل هذا السفر المختلط، سيجلس فيه الرجال والنساء الأجانب ويحصل بينهم من الكلام و النظر والخلوة والملاطفة التي ستجر إلى أعلى منها، وسيتكرر ذلك في أوقات مرتبة، فتنقلب من مخالطة عابرة إلى زمالة، فصداقة ... الخ، كما هو المظنون والمتوقع في اختلاط التعليم والعمل ونحوهما؟
ولهذا نقول: لو اتفق مجموعة من الفتيان والفتيات على السفر سويا في رحلات منظمة للعمل أو السياحة، أو حتى لأداء النسك، أو لو تواعدوا للطواف بالبيت، كل فتاة بصحبة شاب (وقد يمسك بعضهم بأيدي بعض على مذهب الإمام الغامدي) !
مما قد يفضي إلى أمور كثيرة منكرة، فإن ذلك يخرجه من دائرة المباح إلى حيز المنع.
* وشريعة أحكم الحاكمين تأبى أن تحرم شيئا (قصدا أو وسيلة) ، ثم تبيح ما هو مثله أو أشد منه.
فكيف تحرم النظر والخضوع في القول .. الخ، منفردة، ثم تبيحها وهي مجتمعة (أغلب الظن) في حال الاختلاط المنظم؟
بل كيف تبيح ما هو أشد من ذلك مما زعمه ذلك"المنحرف"من ملامسة وملاصقة؟!
* وكذلك أيضا، لما أمر الله بالصلاة وعظم قدرها، كانت وسائل المحافظة عليها مأمورا بها، ووسائل تضييعها والسهو عنها منهيا عنها، ولو لم ينص عليها بعينها.
وقد كره النوم قبل العشاء، لئلا يفضي إلى تضييعها، وكره الحديث بعدها محافظة على صلاة الفجر.
ولما كان الاشتغال بالبيع والشراء والتجارة مما قد يفضي إلى السهو عن الصلاة وتفويت وقتها، ناسب أن يمنع نظاما و سياسة، ولا يفتقر إلى نص بعينه، يقول: أغلقوا المحلات أوقات الصلوات، بل يكتفى بورود النصوص العامة في الأمر بإقامتها في أوقاتها، لأن"مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
فالمسألة إذا ليست مسألة بحث في الخلاف الفقهي (الفرعي) في حكم صلاة الجماعة في المساجد، بل هي سياسة ونظام عام للأمة لحفظ الصلاة وتعظيمها، وحض الرجال على أدائها في أوقاتها على وجه الكمال، ولهذا فإن هذه السياسة الحسنة متبعة في كل المؤسسات الحكومية والأهلية، ولم ينكرها أحد، حتى جاء مثل هذا"المتخلف"، يريد أن يعترض على ذلك المعروف، كما اعترض على سابقه في منع الاختلاط وتوابعه، ويشغل الأمة بإشاعة الخلاف في مسائل فرعية قد أشبعت بحثا وجدالا من قبل أن يولد هو بقرون (!) .
"الخلاف في الأصول"
وليس خلافنا مع أمثال هؤلاء الجهال في الفروع فقط، بل هو خلاف في الأصول كبير.
وهناك فرق شاسع بين اختلاف أهل العلم في مسائل الفروع، مهما كثرت، وبين ما يشغب به دعاة الفتنة والشبهات من مسائل، يريدون بها هدم الدين من أصله.
و إن من سنة أهل الزيغ والفتنة، اتباع المتشابه من نصوص الكتاب والسنة، والتلبيس على العوام بها، ولهذا فقد حذرت نصوص الكتاب والسنة من أولئك، الذين هم أعظم الناس فتنة وإضلالا للأمة، وأشدهم هدما للدين و الملة.
قال الله عز وجل { .. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم"إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم". رواه البخاري [4547] .
وقال عمر بن الخطاب"ثلاث يهدمن الدين، زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون".
رواه الدارمي في السنن [1/ 71] .
قال الشاطبي"وهذه الأمور حقيق أن تهدم الدين .."إلى أن قال"وأما الجدال بالقرآن، فإنه _ من اللسن الألد _ من أعظم الفتن، لأن القرآن مهيب جدا، فإن جادل به منافق على باطل أحاله حقا، وصار مظنة للاتباع على تأويل ذلك المجادل ..".
انظر الموافقات [4/ 90] .
و دعاة الفتنة لا يرجعون في أقوالهم إلى أصول العلم، ولا يضبطون مسائل الخلاف بالضوابط المعتبرة عند أهله، ولهذا تجدهم يتخبطون في تقرير المسائل، ولا يحسنون فهم الأدلة ولا الطريقة الصحيحة في الاستدلال بها، لأنهم لا يريدون ذلك، أو ليسوا أهلا لذلك، بخلاف أهل العلم والفهم.
* ولهذا تجد في كلام فقهاء المذاهب عبارة، ترد كثيرا في مسائل الخلاف، وهي"هذا القول لا يستقيم في مذهبنا، وإنما يصح في مذهب كذا".
وذلك لأن مسائل الفروع عندهم منضبطة، واختلافاتهم مؤصلة، ليست بالتشهي والهوى، بخلاف طريقة أهل الجهل و العمى.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)